د. طلال الحربي
في زحمة الحياة اليومية، حين يخطو المواطن خطوته الأولى خارج بيته، وحين يتنفس الهواء في حديقة عامة، أو يسلك طريقاً ممهداً، أو يطمئن إلى نظافة المكان من حوله، فإنه في الحقيقة يعيش في كنف وزارة لا تنام. وزارة البلديات والإسكان في المملكة العربية السعودية ليست مجرد جهة حكومية تُصدر التراخيص وتُشرف على المشاريع، بل هي الأُم الرحيمة التي تُدير دفة الحياة المدنية في بلدٍ شاسع الأرجاء، متنوع الجغرافيا، ثري بالسكان والزوار والمقيمين. إنها الوزارة التي تمس الجميع دون استثناء، فلا فرق بين طفلٍ يركض في ملعبٍ بلدي، وشيخٍ يجلس في حديقة مزهرة، ومرأة تتسوق في سوقٍ منظم، ورجلٍ يبني مستقبله على قطعة أرض، وذي إعاقة يسلك ممراً صُمِّم أصلاً لكرامته ويُسره.
خدمات البلديات عروقٌ تجري في جسد كل مدينة وقرية وهجرة في هذه المملكة. من إصدار رخص البناء إلى إدارة النفايات، ومن تنظيم الأسواق إلى صون البيئة الحضرية، ومن مراقبة الغذاء إلى تخطيط الفضاء العمراني، تمتد يد هذه الوزارة لتلمس كل تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية. الزائر القادم من خارج المملكة يرى بعيني قلبه قبل عيني رأسه أثرَ هذه الخدمات في نظافة الشوارع وجمال الميادين وحسن التنظيم، والمقيم يجد في هذه الخدمات ضمانةً للعيش الكريم وإحساساً بأن هذا البلد يحتضن كل من يسكنه. أما المواطن فيعرف أن ما ينعم به من بنية تحتية وخدمات عامة هو ثمرة عملٍ متواصل لا يتوقف.
ولعل ما يجعل وزارة البلديات والإسكان تتفرد بين الوزارات هو أنها تحمل في رسالتها شقَّين لا ينفصلان: الشق الخدمي اليومي المتمثل في البلديات، والشق الحلمي المستقبلي المتمثل في الإسكان. فإن كانت البلديات هي التي تُدير حياة الناس في حاضرهم، فإن الإسكان هو الذي يرسم ملامح مستقبلهم ويُحول أحلامهم إلى جدرانٍ وأسقف وبيوت. والبيت في الثقافة السعودية ليس مجرد مسكن، بل هو الوطن الأصغر، والأمان الأول، والاستقرار الذي تنشده كل أسرة منذ بداياتها.
كان الإسكان قضيةً تُثقل كاهل المواطن السعودي لسنواتٍ طويلة، يتطلع إلى سقفٍ يأويه وأرضٍ يبني عليها، بينما تتراكم الطلبات وتتمدد قوائم الانتظار. ثم جاءت رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- لتُعيد رسم المشهد برمّته، فتحوّلت قضية الإسكان من هاجسٍ يُقلق النوم إلى مشروع حضاري يُطمئن القلوب. بات المواطن يرى بأم عينيه مشاريع الإسكان تتنامى في كل ركنٍ من أركان المملكة، من شمالها إلى جنوبها، من ساحلها إلى قلبها، وحدائق المدن الجديدة تنتظر القاطنين، والوحدات السكنية تفتح ذراعيها لأُسرٍ طال انتظارها. لقد أيقنت القيادة الرشيدة أن الاستقرار السكني ليس رفاهية، بل ركيزة حضارية، وأن المواطن الذي يملك بيتاً يملك قاعدةً يبني عليها حياته ومستقبل أبنائه.
في قلب هذه المسؤولية الجسيمة يقف معالي وزير البلديات والإسكان، حاملاً ثقل الأمانة بإصرار المؤمن بقضيته، ومنسوبو الوزارة من حوله يُجسِّدون في عملهم اليومي معنى الانتماء والعطاء. فالوزارة التي تبني الحياة لكل مواطنٍ ومقيمٍ وزائر تستحق أن يكون العاملون فيها على مستوى الثقة التي منحتها إياهم القيادة. وحين تترجم الوزارة توجيهات القيادة الرشيدة إلى واقعٍ ملموس، من مشاريع مكتملة وخدمات مطوّرة وأحلامٍ تحققت، فإنها لا تؤدي واجباً وظيفياً فحسب، بل تنسج بيدها خيوط الرقي الذي يستحقه هذا البلد العظيم وأبناؤه الكرام.
إن وزارة البلديات والإسكان، بشقيها المتكاملين، هي وزارة الحياة بامتياز. تبني المدن لتظل جميلة، وتبني البيوت لتظل الأسر آمنة، وتحمل في رسالتها وعداً صادقاً بأن كل من يعيش على هذه الأرض المباركة يجد فيها الخدمة اللائقة والسكن المناسب والحياة الكريمة. وهذا بالضبط هو ما تعمل له القيادة ويسعى إليه كل من يعمل تحت لواء هذه الوزارة الكبيرة.