سلمان بن محمد العُمري
«تبرعك بالدم يمنح فرصة للحياة، ندعوكم للتبرع بالدم في مدينة الملك فهد الطبية من الأحد الخميس من الساعة 8 ص - 5.30م.. تبرعك يصنع الفرق». هذه فحوى الرسالة النصية التي وصلتني عبر الهاتف، وربما وصلت لغيري.
ولاشك أن الحث على التبرع بالدم يعد واجباً دينياً وإنسانياً ووطنيا، تتبناه القطاعات الصحية عبر حملات متنقلة، لضمان توافر الدم للحالات الطارئة، وكما أن التبرع بالدم عمل إنساني نبيل فهو صدقة جارية عظيمة الأجر، وهي سبيل يسهم في إحياء نفس بشرية لما فيها من إنقاذ للمرضى والمصابين، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (32) سورة المائدة، وقطرات الدم التي تقدمها قد تذهب لطفل يحتاج جراحة، أو لأم أثناء الولادة، أو لمصاب في حادث سير، وهو من باب من أبواب التعاون على البر والتقوى، ففي هذا العمل الإنساني النبيل تعاون على البر والتقوى، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، وفيه إعانة لذي الحاجة الملهوف، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يكن في حاجة أخيه يكن الله في حاجته»، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، وقال: «من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة».
وإذا كان للمتبرع بالدم فضائل وحسنات وأجر من رب العالمين وفق ما تؤكده الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة؛ فإن هناك ثمة فوائد صحية واجتماعية على الإنسان نفسه، ووفق ما كشفته الأبحاث والدراسات الطبية أن التبرع بالدم يعوض المفقود خلال أيام بخلايا أكثر نشاطاً وحيوية في تأدية المهام المطلوبة منها، كما أثبتت الدراسات أن المتبرعين يشعرون بسعادة غامرة وراحة نفسية (Euphoria) بعد التبرع، ناتجة عن الشعور بالقيمة وخدمة الآخرين، وهذا التبرع يسهم في تعزيز التعاطف، وينمي هذا الفعل روح الإيثار لدى الفرد ويجعله أكثر ارتباطاً بمعاناة بني جنسه.
حينما تصل مثل هذه الرسالة الجميلة التذكيرية وهي لا تحمل أية وسيلة للتواصل مع الجهة التي تطلب متبرعين؛ فأنني أرى أن هذا نقص في مضمون الرسالة، حيث إن المتبرع يريد معرفة المكان بكل يسر وسهولة.
سبق أن كتبت عن بعض العوائق التي يواجهها المتبرعين بالدم، ولعله من الأهمية بمكان التذكير بها، لعلها تجد آذاناً صاغية من المسؤولين المعنيين، لأن المعضلات لاتزال قائمة ومنها، أن بنوك الدم لا تعمل أغلبها في نهاية الأسبوع، إن لم يكن جلها، وهذا الوقت عامل مشجع وفرصة سانحة للمتبرعين لأنه في بقية أيام الأسبوع تجدهم مرتبطين بأعمالهم، وارتباطاتهم في أوقات العمل الرسمي، كما أن حل تلك المعضلة يمكن حلها وبسهولة من قبل الجهات المختصة، وأثرها كبير، ونفعها عظيم على الجميع، ومن المفترض أن تفتح بنوك الدم طوال اليوم على مدار الأربع والعشرين ساعة، وتكون قريبة من أقسام الطوارئ والإسعاف بالمستشفيات، مما يشجع ويحفز المتبرع على المسارعة والمبادرة حينما يجد خدمات ميسرة، كما يمكن منح المتبرعين مكافآت ليست مالية بل درجات تطوعية، تعطيه نقاطاً إذا كان موظفاً، ودرجات إذا كان طالباً، وإجازات من العمل لمن يثبت تبرعه ومساهماته، ومن العوائق أيضاً عدم وجود مواقف مخصصة قريبة لبنوك الدم لتحفيز الناس على الحضور والمشاركة.
في تصوري الشخصي أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق وزارة الصحة، والقطاعات الطبية في وزارة الداخلية، والدفاع، والتعليم وغيرها لمعالجة تسهيل الإجراءات للمتبرعين بالدم، وإزالة العقبات، والعمل على وضع برامج وخطط للتوعية مكثفة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، كما أنه من الأهمية بمكان استمرار عمل مراكز التبرع بالدم المتنقلة «السيارات»، وعدم حصرها في ساعات معينة، وتحفيز القطاع الصحي الخاص بالمشاركة من منطلق المسؤولية الاجتماعية في المجتمع.
وأتمنى كذلك أن يتم النظر مستقبلاً عند التخطيط والبناء للمجمعات الصحية والمستشفيات أن يكون مقر بنك الدم في أطراف المبنى أو أرض المجمع حفاظاً على الوقت والجهد بحيث لا يضطر المتبرع بالدم للدخول للمجمع الصحي.
كما أجدها فرصة سانحة لنكرس مفهوم دمك صدقة، وقبلها إزالة العوائق عن المتبرعين بالدم.
دمتم بخير وصحة وعافية.