د. هبة توفيق أبو عيادة
لم تكن الشيخوخة يومًا زمن انطفاء؛ بل كانت زمن امتلاء. حين كان العمر يشيخ، كان الدفء يزداد، وكانت المجالس تكتمل بحضور الآباء، كأن الزمن يمنحهم في آخر الطريق قدرةً أعظم على منح الحب. كانوا يغتنمون ثوانيهم معنا كما يُغتنم آخر الضوء قبل المغيب؛ يجلس الأب بين أبنائه فيتحول الصمت إلى طمأنينة، ويجلس الجدّ بين أحفاده فتُفتح أبواب الحكايات. كانت الدقيقة بقربهم حياة، وكانت الكلمة منهم زادًا، وكانت النصيحة تُقال في لطفٍ عابر لكنها تبقى في القلب عمرًا كاملًا. كانوا يدركون أن ما تبقّى من الوقت أثمن، لذلك كانوا أكثر سخاءً بحضورهم، أكثر قربًا، أكثر حنانًا.
كانوا يختصرون العمر بنصيحة، ويورّثوننا الحكايات كما تُورَّث القيم. أحفاد ينتظرون قصة، وجدّ يفتح ذاكرة السنين، يروي، يبتسم، ويربّت على كتفٍ صغيرٍ يبحث عن الأمان. كانت البيوت تمتلئ بهم، لا بعددهم، بل بروحهم. كان صوتهم دفئًا، وصمتهم وقارًا، ونظرتهم دعاءً خفيًا. أصابعٌ كانت تعدّ الأذكار، ومسبحة تدور بهدوء، وكأن الزمن نفسه يهدأ حين يتحرك الذكر في أفواههم. كانوا يسبّحون، فتسكن القلوب، ويرفعون أيديهم بالدعاء، فتشعر البيوت أن لها سقفًا من الرحمة.
ثم تسلّل الهاتف بصمت. لم يأتِ كغريبٍ مزعج؛ بل كرفيقٍ صغيرٍ في اليد، لكنه كبر حتى صار يبتلع الوقت. ضوء الشاشة يبتلع ما تبقّى من حكايات الجدّ، وأصابعٌ كانت تعدّ الأذكار صارت تعدّ المقاطع. بين (سبحان الله) وتمريرٍ للأعلى… ضاعت هيبة الشيخوخة. كانوا يسبّحون بوقار بمسبحة تسكن اليد، فاستُبدلت بشاشةٍ باردة لا تعرف الدفء. من سبحة اليد إلى شاشة اليد… تحوّلٌ صامت، لكنه يسحب من أعمارهم ما تبقّى من النور.
صار الأب يجلس بين أبنائه، لكن عينيه في شاشة. وصار الجدّ بين أحفاده، لكن قلبه في إشعارٍ عابر. أحفاد ينتظرون قصة وجدّ ينتظر إشعارًا. البيوت ممتلئة ولكن الشيخوخة تعيش وحدها خلف شاشة. كانوا معنا بقلوبهم، فصاروا معنا بأجسادهم فقط. حكمة الأعمار الطويلة، تختصرها شاشة قصيرة. دفء الأكفّ التي ربّتنا، أطفأه وهج الشاشة. وحين يخفت الذكر، يعلو ضجيج الإشعارات.
هذه المرحلة من العمر لم تكن يومًا زمن انشغال بالدنيا، بل زمن رجوعٍ هادئ إلى الله. فحين يبلغ الإنسان الأربعين، توقظه وصية القرآن ليتوب إلى الله، ليقول: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ...). أصبحت الشيخوخة اليوم مثقلة بالشاشة. كان الأصل أن تمتلئ هذه السنوات بالذكر، وأن تُعاش في قربٍ من الأبناء، وأن تُغتنم لحسن الختام. لكنها أصبحت عزلةً مضيئة، يجلس فيها الكبير ساعاتٍ طويلة، بينما تمرّ اللحظات التي كان يمكن أن تكون دعاءً، أو نصيحةً، أو حضنًا لحفيد. فضاعت رائحة الدعاء تحت ضوءٍ أزرق بارد. كانوا يورّثوننا الحكايات: فأورثتنا الشاشات الصمت. الجدّ الذي كان مجلسًا كاملًا: صار مقعدًا صامتًا أمام شاشة. كانوا يختصرون العمر بكلمة: فاختصرناهم بإشعار. أعمارٌ نضجت بالتجارب: تُستنزف في متابعةٍ عابرة. الشيخوخة التي كانت مأوى الأرواح، صارت مأوى الإشعارات. وحين يشيخ العمر... تنحني القلوب نحو شاشةٍ باردة.
الهاتف لا يسرق وقتهم فقط، بل يسرق دفء حديثهم الذي كان يهدّئ قلقنا، ونصائحهم التي كانت تُقال بلطف، ودعواتهم التي كانت تُفتح بها أبواب الخير. يسرق من الأحفاد حضن الجدّ، ومن الأبناء كلمة الأب، ومن البيوت سكينة الذكر. كنا نجلس إليهم فنشعر أن الزمن يبطئ احترامًا، أما اليوم فالزمن يمرّ سريعًا، وهم صامتون خلف الشاشة. شاشة صغيرة وعزلة كبيرة في حياة كبار السن.
ختامًا، ما أقسى أن يكونوا بيننا ولا نسمعهم. وما أقسى أن نحتاج نصيحة فنجد إشعارًا، وننتظر حكاية فنجد تمريرًا، ونطلب دفئًا فنجد ضوءًا باردًا. آباؤنا لا يحتاجون إنترنتا؛ بل يحتاجون إنسانًا بقربهم. الشيخوخة كانت حضنًا، فأصبحت اتصالًا صامتًا. دفء المجالس يذوب والهواتف تسرق كبارنا بصمت. فأصبح الهاتف رفيق الشيخوخة الوحيد وللأسف نخسر نحن أجمل ما فيهم قبل أن نفقدهم.