سعدون مطلق السوارج
في لحظةٍ يُفترض أن تتقدم فيها لغة التهدئة على ضجيج الصراع، يبدو المشهد الإقليمي أكثر تعقيدًا من مجرد هدنةٍ معلنة أو وقفٍ مؤقتٍ لإطلاق النار. فبين التزام أطرافٍ دولية بروح التهدئة كخيارٍ لتخفيف التوتر، واستمرار أنماطٍ أخرى من التصعيد غير المباشر، تتكشف معادلة إقليمية لا تُدار فقط بوقف إطلاق النار، بل بإعادة تشكيل موازين الضغط والنفوذ.
الهدنة، التي يُفترض أن تكون فسحةً للسلام، تحوّلت لدى إيران إلى ستارٍ يُخفي وراءه تصعيدًا ممنهجًا، وسعيًا متواصلًا لإيجاد ذرائع تُربك المنطقة، وتغذي الفوضى، وتعيد تشكيل موازين القوة وفق إرادتها.
فالأهداف لم تكن عسكرية خالصة، ولم تقتصر على مواقع محددة، بل امتدت لتطال موانئ، ومطارات، ومحطات تحلية المياه، ومحطات الطاقة، ومناطق مأهولة بالسكان.
هذه الوقائع لا تترك مجالًا للتأويل، إذ تكشف أن طبيعة هذا النمط من التصعيد تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، لتلامس أمن الحياة اليومية، وتضع المدنيين في دائرة التأثير المباشر، ضمن معادلة ضغطٍ سياسيةٍ واستراتيجية أوسع.
إن الهدنة، التي من المفترض أن تكون فسحة سلام بين الأطراف المتحاربة، تحوّلت في الواقع إلى إطارٍ مُعلن لا يوقف بالضرورة ديناميات التصعيد، بل يُستغل لإعادة التموضع وتوسيع هوامش الحركة.
وفي هذا السياق، يترافق استمرار التصعيد من جانب إيران مع نمطٍ متصاعد من التحركات التي لا تُبقي التوتر محصورًا في نطاقه الأصلي، بل تدفع باتجاه توسيع دائرة التأثير ومحاولة جرّ أطرافٍ إقليمية جديدة، وفي مقدمتها دول الخليج، إلى مسارٍ موازٍ من الضغط والاشتباك غير المباشر.
وعليه، لا تبدو الهدنة هنا كمرحلة تهدئة مكتملة، بقدر ما تبدو مساحةً لإعادة توزيع أدوات التصعيد، بما يجعل المشهد الإقليمي في حالة اختبارٍ مستمر، حيث تمتد آثار التوتر إلى محيطات مدنية وبنى تحتية حيوية، وتبقى المنطقة بأكملها تحت ضغطٍ متصاعد يصعب عزله عن سياقه الأشمل.
وليست الأرقام وحدها ما يحدد دلالة المشهد، بل ما تعكسه من نمطٍ متكرر في التصعيد. فالاستخدام المتواصل للصواريخ والطائرات المسيّرة خلال فترات زمنية متقاربة يعكس مسارًا يتجاوز الردود اللحظية إلى استراتيجية استنزاف ممتدة.
هذا النمط لا يستهدف أهدافًا عسكرية فقط، بل يمتد ليشمل البنية التحتية الحيوية والمناطق المدنية، بما يعزز فرضية وجود نهجٍ يسعى إلى إرباك المنطقة وإبقائها تحت ضغطٍ دائم.
وفي قلب هذا المشهد، تقف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أمام معادلة دقيقة تقوم على الموازنة بين الجاهزية العالية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. فالمعادلة هنا لا تتعلق بردود الأفعال بقدر ما تتعلق بإدارة الاستقرار في بيئة شديدة الحساسية.
القوة الخليجية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الدولة على حماية بنيتها الداخلية واستقرارها رغم محاولات الاستنزاف.
وفي سياقٍ آخر من التصعيد، برزت حادثة اقتحام القنصلية الكويتية في البصرة من قبل عناصر مرتبطة بميليشيات موالية لـإيران، في خطوةٍ وُصفت بأنها تحمل رسائل استفزازية مباشرة، وتندرج ضمن اختبار حدود الردود الإقليمية والدبلوماسية.
وفي المقابل، برز موقف دولة الكويت بثباتٍ واتزان، من خلال التمسك بالشرعية الدولية والحياد الإيجابي، ورفض تحويل بعثاتها الدبلوماسية إلى أدوات ضغط.
إن وحدة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليست شعارًا، بل ركيزة فعلية في هندسة الاستقرار الإقليمي. فالموقف الخليجي الموحد يؤكد أن أمن أي دولة خليجية هو جزء لا يتجزأ من أمن المنظومة بأكملها.
ولا يقتصر المشهد على صراع نفوذ، بل يمتد إلى مواجهة بين رؤيتين:
رؤية تقوم على الاستقرار والبناء والشرعية الدولية.
وأخرى تتعامل مع الفوضى كأداة ضغط والتصعيد كوسيلة لإعادة تشكيل الواقع.
ورغم ما يحيط بالمنطقة من موجات تصعيد واضطراب، يبقى الخليج ثابتًا في موقعه كقوة استقرار لا تُستدرج إلى الفوضى، وحائط صد صلب في وجه محاولات إعادة تشكيل الإقليم عبر الضغط والتوتر.
إنه حضورٌ يقوم على صناعة التوازن لا رد الفعل، وعلى إدراكٍ بأن الاستقرار خيارٌ استراتيجي لا ظرفي.
ومهما تعددت أدوات التصعيد، تبقى الحقيقة واحدة: أن البنية الخليجية المتماسكة قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة ضبط الإيقاع الإقليمي دون فقدان اتزانها، لتبقى الحكمة المدعومة بالقوة هي المعادلة الأصدق في هذا المشهد المعقد.
إشارة قيمية
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَارِ السُّوءِ فِي دَارِ الْمُقَامَةِ؛ فَإِنَّ جَارَ الْبَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ عَنْكَ” (رواه النسائي وصححه ابن حبان).
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي