د. إبراهيم بن جلال فضلون
لم تكن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد نزاع إقليمي، بل كانت «صدمة زلزالية» أعادت رسم خارطة التوقعات الدولية، فحينما تتقاطع الجغرافيا مع شرايين الطاقة العالمية، فلا تبقى نيران الصراع محصورة في حدودها، مختبرة قدرة العالم على الصمود، لاسيما حين يصبح الوقود لغة الأزمة، فمع تراجع الإمدادات النفطية بنحو 13 %، وانخفاض تدفقات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 20 %، ارتفعت الأسعار كمن يفرّ من قيد، لتقفز من مستويات 72 دولاراً إلى حدود 120 دولاراً للبرميل. إذاً نحن لا نتحدث عن نقص في الوقود فحسب، بل عن انسداد في شرايين الحياة الصناعية، وقد صفت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، هذا الوضع بأنه «اختبار صمود» قاسٍ، وبالتالي فإنها تعكس خللاً بنيوياً في توازن العرض والطلب، يئن منها أكثر الدول المستوردة للطاقة، حيثُ قفز سعر نفط «برنت» من 72 دولاراً إلى 120 دولاراً للبرميل كشهابٍ يحرق ميزانياتها، فتتحول فاتورة الوقود إلى عبء ثقيل يضغط على الموازنات العامة ويقيد خيارات السياسات الاقتصادية.
أما الدول النامية، فلها الله، فهي كمن يسير على حافة هاوية، إذ تدفع ثمناً مضاعفاً نتيجة بعدها عن مراكز الإمداد وارتفاع كلفة النقل كـ «ضريبة صراع» يدفعها المستهلك في أقاصي الأرض، بدءاً من مزارع في جزر المحيط الهادئ وصولاً إلى مصانع التكنولوجيا في أوروبا التي تعطلت بسبب نقص مادة «النفثا» والهيليوم. إنها السلسلة التي إذا انقطعت حلقة منها، ارتبك العقد كله.
وما بين تفاؤل صندوق النقد الدولي وواقعية الميدان يكمن المخاض العالمي، فمجمع «رأس لفان» العملاق في قطر، الذي يمثل قلب إنتاج الغاز، قد يحتاج من 3 إلى 5 سنوات ليعود لكامل طاقته إذا ما استمرت تداعيات الدمار.
ومن يقرأ تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» لعام 2026، يجد مفارقة لافتة؛ فقد رفع الصندوق توقعات النمو رغم الدخان المتصاعد، مُراهنًا على «مرونة» الاقتصاد الحديث الذي تعلم من دروس السبعينيات كيف يقلل كثافة استهلاكه للطاقة؛ وهنا تكمن المعضلة: كيف نبني نمواً مستداماً على أرضٍ لا تزال تفتقر لسلامٍ دائم؟ إن النمو في ظل الحرب هو «بناء فوق الرمال المتحركة».
في ظل هذه الاضطرابات، كان التضخم هو الضيف الثقيل الذي لا يغادر نتيجة حتمية، ليجد المستهلك نفسه أمام واقع جديد تتآكل فيه قدرته الشرائية. وهُنا تتكلم الأرقام لتحمل دلالات عميقة؛ حيثُ ارتفع التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.3 % سنوياً، مع زيادات أسعار الوقود. لكن هناك قصة أوسع، حيث تتحول التوقعات التضخمية إلى عامل ضغط إضافي، قد يدفع البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها، مما يبطئ النمو ويزيد من تعقيد المشهد، وكأنهُ يسير في ممر ضيق، تحيط به احتمالات متناقضة. فاستمرار وقف إطلاق النار قد يمنح الأسواق فرصة لالتقاط الأنفاس، ويعيد بعض التوازن إلى الإمدادات، مما يدعم التعافي التدريجي، لكن هذا الأمل يبقى هشاً، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وفقدان الثقة، وهي عناصر لا يمكن ترميمها في وقت قصير.
كانت النظرة التحذيرية من المؤسسات الدولية، حيثُ رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في عام 2026، في خطوة تعكس ما يمكن تسميته «تفاؤلاً مشروطاً»، وسط «صدمة إمدادات كبرى»، تنتقل آثارها عبر ثلاث قنوات (الأسعار، وتوقعات التضخم، والأوضاع المالية)، وهو تفاؤل لا ينبع من غياب المخاطر، بل من قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف، مستفيداً من دروس الأزمات السابقة، ومن التحولات في هيكل الطاقة نحو مصادر أكثر تنوعاً. لذا دعا الصندوق إلى سياسات رشيدة، تجمع بين الانضباط المالي والدعم الموجه، في محاولة لتخفيف الأثر دون تعميق الاختلالات التي شهدتها الأسواق المالية كونها مرآة للقلق العالمي التي عكست بدورها حالة الترقب وسط تراجعات للدولار الأخضر وانحسار الطلب عليه كملاذ آمن نتيجة تحسن مؤقت في المعنويات التي صارت رهينة الإشارات السياسية، ما يزيد من تقلبها ويجعلها أكثر حساسية للأخبار.
وقفة:
ما بين دروس الأزمة وآفاق المستقبل، تكشف حرب الشرق الأوسط عن حقيقة جوهرية مفادها أن الاقتصاد العالمي، رغم قوته الظاهرة، يظل هشاً أمام الصدمات الجيوسياسية، وتذكير بأن الاستقرار ليس حالة دائمة، بل توازن دقيق يتطلب إدارة واعية ورؤية بعيدة المدى، لنخرج بنتيجة مفادها أن الأزمات لا تصنع الانهيار بقدر ما تكشف مواطن الضعف في عالم لا يكف عن التغير.