أحمد آدم
بينما كانت نيران صراعات أبريل 2026 تخمد ببطء، لم تكن صفارات الإنذار في القدس هذه المرة تعلن عن غارة جوية، بل كانت تعلن عن سقوط آخر أوراق «الذريعة الأمنية» التي احتمى بها بنيامين نتنياهو لسنوات. فمع إعلان طهران (الجمعة 17 أبريل) فتح مضيق هرمز للملاحة الدولية، والترحيب المباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهذا «التوافق» الجديد، سقطت آخر «الموانع الأمنية» التي كانت تحول دون استئناف المسار القضائي الطبيعي.
في يوم الأحد 19 أبريل، لن تقف محكمة القدس المركزية أمام مجرد «إجراء قانوني»، بل ستكون أمام استحقاق تاريخي؛ فالميدان الذي أراده نتنياهو صاخباً ليهرب من «صمت القاعة» بدأ يتجه نحو تهدئة إقليمية قسرية، مما يحول جلسة الأحد إلى «ترمومتر» حقيقي: هل ستنتصر هيبة القضاء فوق ركام الصراعات، أم أن كاريزما السلطة ستجد ثغرة جديدة في جدار العدالة؟
لم يعد استئناف المحاكمة اليوم مجرد ملفات (1000 و2000 و4000)، بل أصبح صراعاً بين ديمقراطية تحاول استعادة أنفاسها، وزعيم يدرك أن «وصمة العار» باتت أقرب إليه من أي وقت مضى، خاصة بعد أن بدأ «درع الغاز» والـ High-Tech يئن تحت وطأة الإنهاك، وبعد أن انسحبت مظلة «التصعيد» الدولية التي كانت تؤمن له الهرب للأمام.
القدر لا ينتظر:
انتصار القضاء فوق ركام الصراع
استؤنفت جلسات محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قضايا الفساد والرشوة (الأحد 12 أبريل 2026). يأتي هذا الاستئناف بعد فترة توقف استمرت لأسابيع بسبب حالة الطوارئ التي فُرضت خلال الحرب مع إيران. ومع رفع حالة الطوارئ وإعلان وقف إطلاق النار يوم الأربعاء (8 أبريل)، قرر النظام القضائي العودة للعمل كالمعتاد. لتبدأ محاكمة نتنياهو على النحو التالى: (الموعد: تبدأ الجلسة الأولى اليوم الأحد في تمام الساعة 9.30 صباحاً في محكمة القدس المركزية -أيام الجلسات: من المقرر أن تُعقد الجلسات بشكل دوري من الأحد إلى الأربعاء من كل أسبوع). طلب تأجيل جديد: تقدم فريق الدفاع عن نتنياهو يوم الجمعة (10 أبريل) بطلب لتأجيل شهادته الشخصية لمدة أسبوعين على الأقل، مبرراً ذلك بظروف أمنية ودبلوماسية «حساسة» تتعلق بالأحداث الإقليمية الأخيرة. ورغم طلب التأجيل، أبدى الدفاع استعداده لمواصلة الاستماع لشهادات شهود آخرين. تتعلق المحاكمة بثلاثة ملفات أساسية (1000، 2000، و4000) يواجه فيها نتنياهو تهم الرشوة، والاحتيال، وإساءة الأمانة، وهي التهم التي ينفيها باستمرار.
لم يكن استئناف المحاكمة مجرد إجراء إداري؛ فنتنياهو الذي راهن على استمرار «حالة الطوارئ» لتجميد مساره الجنائي، وجد نفسه أمام جدول زمني صارم (من الأحد إلى الأربعاء أسبوعياً). ورغم محاولات فريق الدفاع طلب تأجيل جديد لـ «ظروف أمنية حساسة»، إلا أن النظام القضائي أرسل رسالة واضحة: الديمقراطية لا تتوقف عند حدود الميدان العسكري.
نتنياهو بين فكي الملاقط:
ملاحقة «لاهاي» ومطرقة «القدس»
الموقف القانوني الحالي لبنيامين نتنياهو يتلخص في حالة من «الانتظار المشدود»، حيث تعود المحاكمة لمسارها الطبيعي بعد فترة توقف بسبب الصراع مع إيران، لكن مع استمرار الجدل حول موعد إدلاء نتنياهو بشهادته الشخصية.
1- دولياً (المحكمة الجنائية الدولية):
مذكرات التوقيف: يواجه نتنياهو وضعاً قانونياً دولياً معقداً، حيث أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحقه (إلى جانب وزير الدفاع السابق غالانت) بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. التأثير: هذا القرار يحد من قدرته على السفر إلى الدول الموقعة على ميثاق روما، ويضعه تحت ضغط قانوني دولي غير مسبوق.
2- محلياً (محكمة القدس المركزية): لا بد أولا من الإشارة الى أن نتنياهو هو أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم جنائية، مما يجعل محاكمته قضية سياسية وأمنية وقانونية متداخلة بشكل فريد. فالمحاكمة مستمرة رسمياً منذ يوم الأحد (12 ابريل).شهادة نتنياهو: لم يبدأ نتنياهو شهادته بعد؛ فقد ألغت المحكمة جلساته الثلاث المقررة (الاثنين إلى الأربعاء) استجابةً لطلبه. التحديث المطلوب:ألزمت المحكمة فريق الدفاع بتقديم تحديث رسمي الخميس (16 أبريل) بشأن إمكانية حضوره للشهادة الأسبوع القادم. الصراع الأمني والقانوني: هناك خلاف داخلي في جهاز «الشاباك»؛ حيث كتب رئيس الجهاز ديفيد زيني رسالة للمحكمة تفيد بوجود مخاطر أمنية (تتعلق بعملاء إيرانيين) تمنع نتنياهو من الشهادة حالياً، بينما عارض المستشارون القانونيون في الجهاز هذه الرسالة واعتبروا ادعاءاتها «إشكالية». التهم: لا يزال يواجه تهماً بالرشوة، الاحتيال، وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا رئيسية (1000، 2000، و4000). وذلك على النحو التالى:
نتنياهو متهم في ثلاث قضايا رئيسية تُعرف بأسماء الملف (1000، 2000، و4000). وتتراوح التهم فيها بين الرشوة، الاحتيال، وإساءة الأمانة.
* الملف 4000 (قضية «بيزك-واللا») - الأخطر قانونياً: تعتبر هذه القضية الأكثر تعقيداً لأنها تتضمن تهمة الرشوة.
• التهمة: الرشوة، الاحتيال، وإساءة الأمانة.
• التفاصيل: يُتهم نتنياهو بتقديم تسهيلات تنظيمية وقانونية لشركة الاتصالات «بيزك» وصاحبها شاؤول إلوفيتش، مقابل الحصول على تغطية إعلامية إيجابية ومنحازة له ولعائلته في موقع «واللا» الإخباري المملوك لإلوفيتش.
* الملف 1000 (قضية الهدايا): تتعلق هذه القضية بالهدايا التي تلقاها نتنياهو من أثرياء.
• التهمة: الاحتيال وإساءة الأمانة.
• التفاصيل: يُتهم نتنياهو بتلقي هدايا فاخرة (مثل السيجار الفاخر، الشمبانيا، والمجوهرات) تقدر قيمتها بمئات آلاف الشواكل من الملياردير أرنون ميلتشان ورجل الأعمال جيمس باكر، مقابل تقديم مساعدات لهما في مشاريع تجارية أو الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة.
* الملف 2000 (قضية صحيفة «يديعوت أحرونوت») :تتعلق بمحاولة «صفقة تبادلية» مع أحد خصومه الإعلاميين.
• التهمة: الاحتيال وإساءة الأمانة.
• التفاصيل: يُتهم نتنياهو بالتفاوض مع أرنون موزيس (ناشر صحيفة «يديعوت أحرونوت») لتقويض انتشار صحيفة «إسرائيل هيوم» المنافسة، مقابل أن تقوم صحيفة موزيس بتغيير خطها التحريري لتصبح أكثر دعماً لنتنياهو.
الفرق القانوني بين التهم: الرشوة: هي الأخطر، وقد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 10 سنوات. الاحتيال وإساءة الأمانة: تعتبر جنحاً تتعلق بإساءة استخدام المنصب وتضارب المصالح، وتصل عقوبتها إلى السجن لمدة 3 سنوات.
أخذا فى الاعتبار: أن نتنياهو ينكر جميع هذه التهم تماماً، ويصف المحاكمة بأنها «محاولة انقلاب قضائي» و»مطاردة ساحرات» تهدف للإطاحة به من السلطة.
العوامل التي قد تخفف أو تغير العقوبة
عدم وجود سوابق: لكونه لا يملك سوابق جنائية قد يدفع القضاة نحو عقوبة أقل من الحد الأقصى.
صفقة الادعاء: يمكن لنتنياهو في أي لحظة (حتى قبل صدور الحكم) إبرام «صفقة ادعاء» تنص على الاعتراف بتهم مخففة مقابل عدم السجن، وهو ما رفضه حتى الآن.
الاستئناف: أي حكم يصدر عن المحكمة المركزية يمكن الاستئناف عليه أمام المحكمة العليا، مما قد يؤخر تنفيذ أي عقوبة لسنوات إضافية.
المحاكمة لا تزال في مرحلة سماع الشهود، ومن المتوقع أن تستغرق عاماً آخر على الأقل قبل صدور قرار الحكم الابتدائي، يليه وقت طويل للاستئنافات.
الحق في الترشح أثناء الاستئناف
يُعتبر الشخص بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم نهائي. الترشح للانتخابات: إذا صدر حكم بالإدانة من المحكمة المركزية وقام نتنياهو بالاستئناف أمام المحكمة العليا، يحق له قانوناً الترشح للانتخابات وخوض المعركة الانتخابية طالما لم يصدر قرار نهائي من المحكمة العليا يؤيد الحكم الابتدائي. الاستثناء: الحالة الوحيدة التي تمنعه هي صدور حكم نهائي (بعد الاستئناف) يتضمن «وصمة عار» وعقوبة سجن تزيد عن 3 أشهر.
عقوبة «وصمة العار»: بالإضافة إلى السجن، هناك عقوبة (قانونية- سياسية) حاسمة تسمى وصمة العار: فإذا قررت المحكمة أن أفعال نتنياهو تنطوي على «وصمة عار»، فسيتم منعه من العمل السياسي أو تولي أي منصب عام لمدة 7 سنوات تبدأ من تاريخ انتهاء تنفيذ عقوبة السجن. وهذا يعني عملياً انتهاء مسيرته السياسية تماماً.
والخلاصة: إذا جرت انتخابات غداً أو أثناء فترة الاستئناف، يستطيع نتنياهو الترشح بشكل قانوني تماماً. على المدى الطويل: الحرمان من الانتخابات لا يحدث إلا إذا أيدت المحكمة العليا حكماً يتضمن وصمة عار. وهى الكابوس الأكبر، فالسجن قد يكون عقوبة جسدية، لكن «الوصمة» هي الإعدام السياسي الذي قد يغيبه عن المشهد لمدة 7 سنوات؛ وهي مدة كافية لإنهاء مسيرة «آخر الصقور» الذي يقترب من عقده الثامن.
تحركات المؤيدين والمعارضين بين الإنقاذ والإدانة
* يسعى الائتلاف الحاكم الذي يقوده نتنياهو إلى إجراء تغييرات جذرية في النظام القضائي لحمايته من تبعات الإدانة، وأبرز هذه المحاولات:
• قانون التحصين: يهدف لمنع المحكمة العليا من إعلان «تعذر» رئيس الوزراء عن القيام بمهامه لأسباب قانونية أو صحية، وحصر هذا القرار في يد الحكومة والبرلمان فقط.
• إلغاء حجة المعقولية: تقليص صلاحيات المحكمة في إلغاء قرارات الحكومة، مما يمنع القضاء من التدخل في حال قرر نتنياهو البقاء في منصبه رغم صدور حكم أولي ضده.
• تغيير لجنة تعيين القضاة: السيطرة على اختيار القضاة الذين سينظرون في «استئناف» نتنياهو لاحقاً أمام المحكمة العليا، لضمان وجود قضاة أكثر تعاطفاً مع موقفه.
* خصومه (من المعارضة والمتظاهرين والقانونيين) يركزون على الإقصاء النهائي من المشهد:
• السجن قد يكون عقوبة قاسية، لكن بالنسبة للخصوم، المنع من الترشح هو الأهم.
وصمة العار تعني غيابه عن الساحة لـ 7 سنوات، وهو ما يُنهي مستقبله السياسي عملياً نظراً لعمره (مواليد 1949).
يخشى خصومه أنه إذا أدين بعقوبة بسيطة (مثل الخدمة المجتمعية) دون «وصمة عار»، فقد يعود فوراً لرئاسة الوزراء أو قيادة المعارضة.
لذلك، تضغط المعارضة إعلامياً وقانونياً لاعتبار تهمة «الرشوة» في القضية 4000 تهمة مخلة بالشرف حتماً.
في كل مرة يتم الحديث فيها عن تسوية (صفقة) بين نتنياهو والنيابة، تخرج مظاهرات حاشدة تحت شعار «لا صفقة بدون وصمة عار».
الخصوم يخشون أن يوافق الادعاء على اعتراف نتنياهو بتهم مخففة مقابل عدم دخوله السجن، لكن دون وصمة عار، مما يسمح له بالبقاء في الكنيست.
• في البرلمان (الكنيست): تحاول المعارضة منع أي تشريع يقلص من صلاحية القضاة في تحديد «وصمة العار».
• في المحاكم: تتدخل جمعيات قانونية (مثل حركة جودة الحكم) كـ «صديق للمحكمة» لتقديم مذكرات قانونية تشرح لماذا يجب أن تلتصق الوصمة بأفعال نتنياهو.
• الضغط الشعبي: استخدام شعار (المتهم) في المظاهرات، لترسيخ فكرة أنه «غير مؤهل أخلاقياً» للقيادة، بغض النظر عن الحكم الجنائي.
نتنياهو يدرك هذا تماماً، ولذلك هو يرفض أي صفقة تتضمن «وصمة عار». بالنسبة له، الدخول في صراع قضائي طويل (حتى لو انتهى بسجن) قد يكون أفضل من «الاعتراف» الذي يحرمه من السلطة فوراً.
فرص الإدانة بوصمة العار قبل الانتخابات
الموعد الرسمي والقانوني للانتخابات الإسرائيلية القادمة هو يوم الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026. وفقاً للمسار القضائي الحالي، تعتبر فرص صدور حكم نهائي يتضمن «وصمة عار» قبل أكتوبر 2026 ضئيلة جداً، فالمحاكمة لا تزال في مرحلة سماع شهود الدفاع، وهناك مئات الشهود المتبقين. وحتى لو صدر حكم من المحكمة المركزية في أوائل 2026، فإن عملية الاستئناف أمام المحكمة العليا تستغرق عادة من عام إلى عامين، وبدون قرار المحكمة العليا النهائي، لا تصبح «وصمة العار» نافذة لمنعه من الترشح.
• فيتو ترامب: محاولة أمريكية لـ «تأميم» العدالة الإسرائيلية. تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة مرات وبشكل رسمي لمطالبة الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، بمنح عفو كامل لبنيامين نتنياهو لإنهاء محاكمته في قضايا الفساد، وكان تدخله بتكرار وشكل غير مسبوق:
ففى رسائل رسمية (نوفمبر 2025) بعث ترامب إلى هرتسوغ يدعوه فيها لمنح العفو لنتنياهو، معتبراً أن المحاكمة «غير مبررة» وتمثل «مطاردة سياسية». وبرر ترامب طلبه بأن نتنياهو «قائد قوي في زمن الحرب» ويجب ألا يتم تشتيت انتباهه بهذه القضايا.
• تصريحات علنية (فبراير 2026): جدد ترامب دعوته للعفو خلال فعاليات في البيت الأبيض، وهاجم الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ بشدة قائلاً: إنه «يجب أن يخجل من نفسه» لعدم منح العفو، واصفاً موقفه بـ»المخزي».
• ربط المساعدات (يونيو 2025): لوّح ترامب في وقت سابق بإمكانية ربط المساعدات المالية الأمريكية لإسرائيل بمسار المحاكمة، واصفاً استمرار الإجراءات القانونية ضد نتنياهو بأنه «جنون».
• موقف الرئاسة الإسرائيلية: رفض هرتسوغ هذه الضغوط، مؤكداً أن سلطة العفو تتبع إجراءات قانونية محددة تتطلب تقديم طلب رسمي من الشخص المعني (نتنياهو نفسه) بعد اعترافه بالذنب أو صدور حكم نهائي، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
• موقف الداخل الإسرائيلي: انقسم الداخل الإسرائيلي تجاه طلب العفو عن بنيامين نتنياهو إلى جبهتين متصارعتين، حيث تعكس استطلاعات الرأي والاحتجاجات الميدانية حالة من الاستقطاب الحاد وهو ما أظهرته نتائج الاستطلاعات (حتى أبريل (2026 والتى أشارت للآتي:
• المعارضون: حوالي 53% من الإسرائيليين يرون أن الإجراءات القضائية يجب أن تستمر دون تدخل، وشهدت تل أبيب والقدس تظاهرات حاشدة أمام منزل الرئيس «إسحاق هرتسوغ»، رفع فيها المتظاهرون شعارات تصف العفو بأنه سيحول إسرائيل إلى «جمهورية موز».
• المؤيدون: بينما تترواح نسبة المؤيدين للعفو بين 36% إلى 39%، وغالبيتهم من معسكر اليمين ويرى المؤيدون أن إنهاء المحاكمة ضروري لتوحيد المجتمع الإسرائيلي، خاصة في ظل الظروف الأمنية والحروب المستمرة. ويتبنى هؤلاء رواية نتنياهو وترامب بأن المحاكمة هي «ملاحقة سياسية» تهدف للإطاحة بزعيم اليمين.
وهناك نسبة تقارب 17% لا تزال غير حاسمة لموقفها، بانتظار ما ستسفر عنه جلسات المحاكمة المستأنفة.
كان نتنياهو يراهن على استمرار الحروب التى أشعلها على جبهات متعددة لتأجيل المحاكمة كما أراد فقط تحقيق انتصار واضح فى إحداها ليخلق تأييد وضغط شعبى لإصدار عفو رئاسي عنه. لم يكترث لحجم الدمار والخراب والأرواح التى أزهقها بل ويسعى للمزيد. ودارت الأيام وجاءت لحظة المحاكمة.
أرقام ومتغيرات وتحالفات
• الأرقام تظهر منافسة شرسة: (بني غانتس يحصل على تأييد 41% من المستطلعين- بنيامين نتنياهو يحصل على تأييد 36%- يائير لابيد يحصل على حوالي 15%)
• المتغيرات التي تؤثر على هذه الأرقام: (قضية وصمة العار: أظهر استطلاع خاص أن 54% من الإسرائيليين يعتقدون أن نتنياهو يجب أن يستقيل فورا إذا أُدين «بوصمة عار» في المحكمة المركزية، دون انتظار الاستئناف- الأمن ضد القضاء: جمهور نتنياهو (اليمين) يرى أن استهدافه قضائياً في وقت التوترات الأمنية هو «إضعاف للدولة»، بينما يرى خصومه أن «العدالة لا تتوقف بسبب الحرب»- تكتل اليمين: بالرغم من تفوق المعارضة في المقاعد، إلا أن نتنياهو لا يزال يمتلك «كتلة صلبة» تمنع خصومه من تشكيل حكومة مستقرة بسهولة، مما قد يؤدي لسيناريو التعادل مرة أخرى).
• التحالفات: هي جوهر النظام السياسي الإسرائيلي، فلا يمكن لأي حزب الفوز بالأغلبية (61 مقعداً) بمفرده. الخارطة السياسية الآن تشهد محاولات «هندسة تحالفات» معقدة من الطرفين للفوز بانتخابات 2026:
- تحالفات نتنياهو (معسكر اليمين)
يسعى نتنياهو للحفاظ على «كتلته الطبيعية» مع إضافة عناصر جديدة لضمان التفوق:
- تحالف اليمين المتطرف: سيعتمد بشكل أساسي على إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. هذان هما «شبكة الأمان» له لأنهما يرفضان تماماً أي صفقة قد تؤدي لتنحيته.
- الأحزاب المتدينة (الحريديم): هم حلفاؤه التاريخيون، لكن العلاقة متوترة حالياً بسبب «قانون التجنيد». إذا استرضاهم، فسيضمن حوالي 15-18 مقعداً إضافياً.
- رهان «المنشقين»: يحاول نتنياهو دائماً استقطاب أفراد من أحزاب المعارضة (مثل حزب «أمل جديد» لجدعون ساعر) لكسر تكتل الخصوم.
هندسة السقوط: تحالفات «أي شخص إلا نتنياهو» تضيق الخناق
يسعى خصوم نتنياهو لبناء «جبهة موحدة» لسد الطريق أمام عودته:
• تحالف غانتس-لابيد: رغم التنافس بينهما على من يقود المعارضة، إلا أن هناك ضغطاً شعبياً كبيراً عليهما للدخول في قائمة واحدة أو الالتزام بـ «ميثاق عدم التناحر» لضمان إزاحة نتنياهو.
• انضمام وجوه أمنية جديدة: يترقب الجميع احتمال دخول نفتالي بينيت (رئيس الوزراء الأسبق) أو يوسي كوهين (رئيس الموساد السابق) للسياسة. تحالف غانتس مع أحدهما قد يوجه ضربة قاضية لنتنياهو في الشارع اليميني المعتدل.
• التحالف مع الأحزاب العربية: قد يحتاج الخصوم لدعم (ولو من الخارج) من القائمة الموحدة (منصور عباس) لتشكيل حكومة، وهو ما يحاول نتنياهو تصويره للناخبين كـ «تحالف مع داعمي الإرهاب» لإسقاط المعارضة.
هناك قاعدة ذهبية في السياسة الإسرائيلية حالياً «أي شخص إلا نتنياهو» فأغلب قادة الوسط واليمين الليبرالي (مثل أفيغدور ليبرمان وجدعون ساعر) يرفضان التحالف مع نتنياهو طالما أن محاكمته مستمرة. وهذا «الفيتو» هو ما قد يجبر نتنياهو على البقاء مع الأحزاب المتشددة فقط، مما يقلص خياراته في المناورة.
تبقى المعركة الحقيقية هي معركة «اليقين القانوني»؛ فهل ستثبت المؤسسة القضائية أنها أقوى من «كاريزما السلطة» و»ضغوط الحلفاء»؟
الإجابة تكمن في تفاصيل شهادة نتنياهو القادمة، التي ستحدد ما إذا كانت سماء إسرائيل ستمتلئ ببالونات الوعود الانتخابية، أم بضباب الإدانة النهائية.
درع المال والغاز: لماذا لم يسقط الاقتصاد الإسرائيلي في فخ الحروب الطويلة؟
سقوط نتنياهو سياسياً لا يعتمد فقط على قدرة خصومه على التحالف، بل على مدى قدرة «الماكينة الاقتصادية» الإسرائيلية على تحمل كلفة بقائه؛ تلك الماكينة التي شكلت لسنوات درعاً خفية منع الانهيار الكلي تحت وطأة الديون والحروب.فإسرائيل لا تُدار كدولة مواجهة تقليدية، بل كـ «شركة تقنية كبرى» لها مساهمون دوليون وأصول عابرة للحدود. وصمود هذا النموذج أمام «حروب الاستنزاف» الطويلة كان بسبب:
• التكنولوجيا: «القبة الحديدية» للاقتصاد
لولا قطاع الـHigh-Tech، لكانت إسرائيل الآن تعاني من تضخم جامح يشبه ما حدث لها في الثمانينيات
• تصديرالعقول: التكنولوجيا تمثل أكثر من 50% من الصادرات الإسرائيلية. ميزة هذا القطاع أنه «غير ملموس»؛ فالمبرمج يمكنه العمل من ملجأ أو من مكتب في نيويورك، مما يجعل الإنتاج مستمراً رغم صافرات الإنذار.
• جذب الاستثمارات: رغم الحروب، استمرت صناديق (رأس المال المخاطر (في ضخ الأموال، لأنها تراهن على ابتكارات «الذكاء الاصطناعي الدفاعي» و»الأمن السيبراني» التي تولد من رحم هذه النزاعات.
«شبكة الأمان» من رجال المال والأعمال
تعتمد إسرائيل على ظهير مالي عالمي يتجاوز المساعدات الحكومية الأمريكية الرسمية
• سندات إسرائيل: نجحت إسرائيل في جمع مليارات الدولارات عبر بيع سندات لأفراد ومؤسسات في الخارج (خاصة في الشتات اليهودي وكبار المستثمرين) كنوع من الدعم العاطفي-المالي الذي لا يخضع لتقلبات السياسة في الكونجرس.
• اللوبي المالي: كبار المديرين التنفيذيين في «وادي السيليكون» و»وول ستريت» يوفرون دعماً لوجستياً واستثمارياً يضمن بقاء الشركات الإسرائيلية الناشئة مرتبطة بالسوق العالمي، مما يمنع عزلها اقتصادياً.
الاستقلال الطاقي وتوفير المليارات
لفترة طويلة، كانت إسرائيل تعتمد كلياً على الاستيراد، مما كان يستنزف حوالي 5% من ناتجها المحلي الإجمالي (نحو 10 مليارات دولار سنوياً). منذ بدء إنتاج الغاز من حقول مثل «تمار» و»ليفياثان»، حققت إسرائيل وفورات تراكمية تُقدر بأكثر من 87 مليار دولار خلال العقد الماضي. تخفيض التكاليف: بفضل الغاز المحلي، انخفضت أسعار الكهرباء في إسرائيل بنسبة 16% بينما كانت ترتفع في أوروبا بنسبة 25%، مما منح الصناعة المحلية ميزة تنافسية.
لم يكتفِ الغاز بتغطية الاحتياجات المحلية، بل تحولت إسرائيل في عام 2020 إلى مُصدر للطاقة لأول مرة في تاريخها. صادرات قياسية: في عام 2024، صدّرت إسرائيل حوالي 13 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر والأردن، بزيادة قدرها 13.4%عن العام السابق.
الصندوق السيادي (حماية المستقبل)
أنشأت إسرائيل «صندوق ثروة سيادي» (صندوق مواطني إسرائيل) لتوجيه عائدات الضرائب والرسوم المفروضة على شركات الغاز.
الهدف: منع حدوث ما يُعرف بـ«المرض الهولندي» (ارتفاع قيمة العملة بشكل يضر بالصادرات الأخرى) ولضمان استفادة الأجيال القادمة من هذه الثروة.
• العوائد: بلغت إيرادات الدولة من إتاوات الغاز والضرائب حوالي 5 مليارات شيكل في عام 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 10 مليارات شيكل سنوياً خلال سنوات قليلة.
• قطاع الطاقة يواجه تحدياً أمنياً كبيراً: الغاز الطبيعي هو «شبكة الأمان» الحقيقية التي تمنع الاقتصاد الإسرائيلي من الانهيار الكلي تحت وطأة الديون والحروب، لكنه في الوقت ذاته أصبح «خاصرة رخوة» تتطلب حماية مستمرة ومكلفة، فمنصات الغاز أهداف عسكرية: خلال التوترات الأخيرة مع إيران وحزب الله، اضطرت إسرائيل لإغلاق حقول «ليفياثان» و»كاريش» مؤقتاً لدواعٍ أمنية، مما تسبب بخسائر اقتصادية مباشرة تقدر بـ1.5 مليار شيكل.
• تكلفة الحماية: تضطر البحرية الإسرائيلية لتخصيص ميزانيات ضخمة لحماية هذه المنصات، مما يحول جزءاً من «الأرباح» إلى «تكاليف دفاعية».
• مع الأخذ فى الاعتبار: لا تزال إسرائيل تستورد معظم احتياجاتها من النفط الخام من دول مثل أذربيجان وكازاخستان.
الشارع الإسرائيلي والتحول بالإنهاك
رغم هذه الأرقام المليارية وفائض الغاز، إلا أن الرفاهية الاقتصادية لم تعد تصل إلى جيوب المستوطنين الذين يواجهون تضخماً واستنزافاً اجتماعياً حاداً، مما نقل الصراع من أروقة الشركات التقنية إلى « ترمومتر الشارع» الذي يعاني إنهاكاً غير مسبوق، وهذا يظهر واضحا في عدة نقاط واقعية:
• حالة «تعب الحروب»: (الاستنزاف الاقتصادي: الحروب الطويلة أدت لارتفاع الأسعار، وتضرر قطاعات التكنولوجيا والسياحة، وإرهاق ميزانية الدولة- إرهاق الاحتياط: مئات الآلاف من العائلات تعاني من استمرار استدعاء جنود الاحتياط لفترات طويلة، مما أثر على التماسك الاجتماعي والحياة اليومية- غياب الأفق: يشعر قطاع واسع من الشعب أن الحروب أصبحت «أبدية» وتُدار لخدمة بقاء نتنياهو السياسي وتأجيل محاكمته، وليس لتحقيق «نصر مطلق»)
• الانقسام الشعبي (المؤيدون ضد المعارضين): رغم التعب، لا يزال الشارع منقسماً، لكن الكفة تميل الآن ضد نتنياهو (الغالبية الغاضبة: تشمل عائلات الأسرى، وحركات الاحتجاج، والوسط الليبرالي. هؤلاء يرون أن نتنياهو يضحي بالأمن القومي من أجل «ائتلافه المتطرف» وتجنب السجن- القاعدة الصلبة (البيبيست): لا تزال هناك كتلة (حوالي 25-30% من الناخبين) تراه «الملك» والمدافع الوحيد عن إسرائيل، وتعتبر المحاكمات «مؤامرة» من النخبة ضده).
• هل سيقف الشعب ضده فعلياً؟ :هناك مؤشرات قوية على أن «الانفجار الشعبي» قد يحدث في أي لحظة (احتجاجات عائلات الأسرى: تحولت من مطالب إنسانية إلى مطالب سياسية واضحة برحيله- الإضرابات العامة: هددت نقابة العمال (الهستدروت) أكثر من مرة بشل الاقتصاد إذا لم يتجه نحو انتخابات مبكرة- استطلاعات الرأي: كما ذكرنا، أكثر من 60% من الإسرائيليين يطالبون برحيله أو تقديم موعد الانتخابات).
جلسة الأحد القادم لن تكون مجرد إجراء قانوني، بل هي «ترمومتر» للشارع. فإذا نجح نتنياهو في استخدام «الذريعة الأمنية» للتأجيل مجدداً، فقد تندلع مظاهرات ضخمة تتهمه بـ «التلاعب بالأمن القومي للهروب من العدالة». الخصوم سيعتبرون أي تأجيل إضافي دليلاً على أنه «غير مؤهل» لإدارة الدولة والحرب والمحاكمة في وقت واحد.
الشعب الإسرائيلي لم يعد يرى في نتنياهو «السيد أمن» كما كان يلقب نفسه. الشعور العام هو أن الثمن الذي تدفعه الدولة لبقائه أصبح أغلى من فوائد استمراره.