د. عبود مصطفى عبود
لم تكن الخبرة في التاريخ مجرد معرفة، بل كانت سلطة. سلطة هادئة، غير معلنة، لكنها نافذة في كل مكان. كان الرجل الكبير في السن يُنظر إليه بوصفه مخزنًا للحكمة، لا لأنه عبقري بالضرورة، بل لأنه عاش أكثر، ورأى أكثر، وخسر أكثر، وتعلم من أخطائه. وكانت السنوات تُترجم تلقائيًا إلى قيمة. وكان الزمن نفسه يعمل كمعلم صامت، يضيف إلى الإنسان طبقة جديدة من الفهم مع كل تجربة يمر بها.
في المجتمعات الزراعية، كان هذا صحيحًا تمامًا. الفلاح الذي عاش أربعين موسمًا زراعيًا كان يعرف الأرض كما يعرف وجهه. وكان يستطيع أن يتنبأ بالمطر من رائحة الهواء، وبالمحصول من لون التربة. لم تكن هذه مهارة يمكن تعلمها في كتاب، بل خبرة تُبنى ببطء، سنة بعد سنة. وفي المجتمعات الصناعية، استمرت القاعدة نفسها.
العامل الذي قضى عشرين عامًا في المصنع كان أكثر كفاءة من الشاب الجديد. والمهندس الذي صمم عشرات الجسور كان أكثر موثوقية من خريج حديث. وكانت المؤسسات تُكافئ الزمن، لا لأنه زمن، بل لأنه استثمار طويل في المعرفة.
لكن هذه المعادلة بدأت تتآكل في صمت. لم يعد الزمن يعمل بالطريقة نفسها. لم يعد تراكم السنوات يعني تراكم القيمة. بل أصبح -في بعض الحالات- يعني تراكم العادات. وهنا حدث الانقلاب.
في العالم القديم، كانت الخبرة تعني: أنك تعرف ما يجب فعله. أما في العالم الجديد، فقد بدأت الخبرة تعني أحيانًا: أنك معتاد على ما لم يعد صالحًا. هذه ليست مبالغة فلسفية، بل حقيقة عملية بدأت تظهر في كل المجالات تقريبًا. الطبيب الذي تدرب قبل ثلاثين عامًا على طرق تشخيص تقليدية، وجد نفسه أمام تقنيات تصوير طبي متقدمة لم يتعلمها في دراسته الأولى. والمعلم الذي اعتاد أساليب شرح معينة، بدأ يواجه طلابًا يتعلمون عبر منصات رقمية أسرع من أي درس تقليدي. والمدير الذي نجح في إدارة مؤسسة لعقود، اكتشف أن نموذج الإدارة نفسه تغير، وأن القواعد التي صنعت نجاحه لم تعد تعمل.
الخبرة لم تختفِ، لكنها فقدت حصانتها. لم تعد مقدسة. ولم تعد كافية. العالم أصبح سريعًا إلى درجة أن المعرفة تتقادم قبل أن تترسخ. والمهارة التي كانت تحتاج عشر سنوات لتصبح قديمة، أصبحت تحتاج ثلاث سنوات فقط. وأحيانًا أقل. وهنا بدأت تظهر ظاهرة غريبة في التاريخ الإنساني: أشخاص أصغر سنًا، لكن أكثر قدرة. وأشخاص أكبر سنًا، لكن أقل استعدادًا. هذه الظاهرة لم تكن نتيجة تفوق طبيعي للشباب، بل نتيجة تغير في طبيعة المعرفة نفسها.
المعرفة لم تعد ثابتة، بل أصبحت متحركة. ولم يعد من يملكها هو من عاش أكثر، بل من تعلم أسرع. وهذا التحول كان صادمًا للمؤسسات قبل الأفراد. لأن المؤسسات بُنيت على فكرة بسيطة: أن الخبرة تساوي الأمان. لكن حين أصبحت الخبرة متقلبة، أصبح الأمان نفسه متقلبًا.
شركة توظف موظفًا قضى ثلاثين عامًا في المجال، لم تعد تضمن أنه الأفضل. وقد تجد أن شابًا في الخامسة والعشرين، يمتلك مهارة حديثة، يستطيع أن ينجز العمل بكفاءة أعلى. ليس لأنه أذكى، بل لأنه أقرب إلى زمن المعرفة. وهنا يظهر مفهوم جديد لم يكن موجودًا في التاريخ: القرب الزمني من المعرفة.
في الماضي، كانت المعرفة بطيئة، لذلك كان العمر ميزة. أما الآن، فالمعرفة سريعة، لذلك يصبح التحديث ميزة. الإنسان لم يعد يقاس بكم عاش، بل بكم حدّث نفسه. هذه الجملة قد تبدو قاسية، لكنها تصف الواقع بدقة متزايدة. وفي عالم سريع، تصبح الخبرة غير المحدثة عبئًا. ليست لأنها خاطئة، بل لأنها قديمة. والقديم في عالم متغير ليس مجرد شيء أقل كفاءة، بل شيء قد يكون خطرًا.
الجراح الذي يستخدم تقنية قديمة، قد يعرّض حياة مريض للخطر. والمهندس الذي يعتمد على حسابات قديمة، قد يبني جسرًا لا يتحمل ضغط العصر. والمحلل الذي يقرأ السوق بعقلية الأمس، قد يقود مؤسسة إلى خسارة. وهكذا بدأت الخبرة تتحول من درع إلى مسؤولية.
لم يعد السؤال: كم سنة عملت؟ بل أصبح السؤال: كم مرة تعلمت من جديد؟
هذا التحول لم يلغِ قيمة الخبرة، لكنه أعاد تعريفها. الخبرة لم تعد تعني أنك رأيت الماضي، بل إنك قادر على التعامل مع المستقبل. ولذلك بدأت تظهر فئة جديدة من البشر. ليست الأكبر سنًا. وليست الأصغر سنًا. بل الأكثر قدرة على التغيير. هؤلاء لا يعتمدون على ما يعرفونه، بل على استعدادهم لترك ما يعرفونه. وهنا يحدث التحول النفسي الأعمق.
الإنسان يبدأ في فقدان شعور كان يمنحه الأمان طوال حياته: شعور أن ما تعلمه سيبقى صالحًا. هذا الشعور كان أساس الاستقرار الداخلي. وحين يختفي، يشعر الإنسان وكأنه يقف على أرض تتحرك. لكن هذه الأرض المتحركة ليست خطأ في العالم، بل طبيعة العالم الجديد.
في المستقبل المنظور، لن تكون الخبرة سجلًا من الماضي، بل قدرة مستمرة على التحديث. ولن يكون الشخص الأكثر احترامًا هو من عاش أطول، بل من بقي قابلًا للتعلم. الإنسان الذي يرفض التغيير لن يصبح أقل قيمة فقط، بل سيصبح خارج الزمن. وهذا هو المعنى الحقيقي لانهيار مفهوم الخبرة. ليس اختفاء الخبرة، بل تحولها من مخزون إلى عملية. من شيء تملكه، إلى شيء تمارسه كل يوم.