صالحة بنت أحمد
في زمننا الحالي، أصبح الضحك رفيقًا يوميًا لا غنى عنه. نضحك من المقاطع القصيرة، والنكات السريعة، والمحتوى المنتشر عبر المنصات الرقمية. لكن السؤال المهم: هل كل ضحك بريء؟ وهل كل مزاح يُعد مجرد ترفيه عابر؟
الواقع يقول إن ليس كل ما يضحكنا بريئًا. هناك أمور لا بد أن تُؤخذ على محمل الجد، فالمزاح ليس دائمًا ممتعًا، وهناك أشياء لا يمكن أن تُعد مزاحًا أصلًا. فالضحك في ظاهره خفيف، لكنه أحيانًا يحمل رسائل أعمق مما نظن.
الكوميديا التي نراها اليوم كثيرًا ما تكون دروسًا خفية في هدم القيم والأساليب. تأتي في صورة مزاح وضحك، لكنها تربي الإنسان دون أن يشعر، وتزرع في سلوكه ما قد يصبح لاحقًا جزءًا من شخصيته. المشاهد أو العبارات التي تتكرر أمامنا تتحول تدريجيًا إلى سلوك طبيعي، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يمارس الإنسان أفعالًا لم يكن يقبلها من قبل.
وهذا أخطر ما قد يحدث للإنسان: أن يكتسب أفعالًا وأساليب وأخلاقيات دون أن يشعر، حتى تصبح جزءًا من طريقته في التفكير والتعامل مع الآخرين.
الإعلام يربيك؛ إما تربية صالحة تبني القيم الحميدة، أو يفسد ما فيك من فطرة وأخلاق. الإنسان يتأثر بما يراه ويسمعه باستمرار، وكل ما يتكرر أمامه يترك أثرًا في شخصيته، شاء أم أبى. ومع انتشار المنصات الرقمية وازدياد الجماهيرية، أصبح تأثير الكلمة والمشهد أسرع وأوسع من أي وقت مضى.
قد يصل الإنسان إلى اتخاذ بعض الشخصيات قدوة له، يقلِّد أسلوبها وطريقتها في الحديث والتصرف. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بجدية: هل كل من يملك شهرة يصلح أن يكون قدوة؟
كل شخص له تأثير -سواء كان مشهورًا أم له جمهور محدود- يحمل مسؤولية كبيرة. فإما أن يكون تأثيره إيجابيًا يدعو إلى الخير ويعزِّز القيم الحميدة حتى في أبسط الأفعال والنكات، أو يكون تأثيره سلبيًا يرسخ سلوكيات تهدم ما بُني من قيم وتربية صحيحة في نفوس الناس.
فالضحك ليس مشكلة بحد ذاته، فالمرح جزء من الفطرة الإنسانية، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح بصدق دون إيذاء. قال صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لأمزَحُ ولا أقولُ إلَّا حَقًّا». المشكلة تبدأ حين يتحول المزاح إلى وسيلة لتمرير ما لا ينبغي أن يصبح طبيعيًا، عندها لا يكون الضحك بريئًا كما يبدو، بل يصبح أداة تربوية خفية قد تُغير القيم تدريجيًا.
«كثرة المزاح والضحك مع المداومة على ذلك والإفراط فيه يميت القلب ويذهب الوقار.»
- من أقوال السلف الصالح
الإعلام والكوميديا سلاح ذو حدين: إما أن يبني مجتمعًا واعيًا محافظًا على فطرته وقيمه، أو يساهم في تفككه تدريجيًا. والاختيار يبدأ من كل واحد منا