د. ناهد باشطح
فاصلة:
«الخوف مُعدٍ، ويصيب الأطفال بسرعة أكثر من غيرهم»
-بروس دي بيري-
********
من المؤسف أن نحيّد الأطفال عن مواجهة واقع نعيشه بدلاً من أن نواجههم بالواقع بما يناسب فهمهم وإدراكهم.
أحيانا في زياراتي لمنازل للعزاء يلفت نظري وقع الموت على مشاعر الطفل، وأسأل الأهل هل أخبرتم الطفل بوفاة الفقيد أو الفقيدة، وغالباً ما تكون الإجابة لا!!
فلا أحد يهتم في معمعة أحداث الفقد ومراسم العزاء بالتحدث للأطفال عما يحدث وعن الموت .
وفي أيامنا هذه مع متابعة القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي لأخبار الحروب وتداعيات الأزمة بين امريكا وايران على دول الخليج ، يتابع أفراد الأسرة الأخبار ويتفاعلون معها، بينما لا يسمحون للطفل بفهم الحدث بشكل صحيح، بل يعيش تفسير الأسرة للحدث، ويعيش قلقهم وخوفهم.
الطفل الذي يتعرض لأخبار الحروب عبر الأهل القلقين، يصيبه قلق داخلي، ويشعر بالخوف إذ تشوّه إدراكه للأمان، فيبدأ القلق دون سبب واضح، و يتشكل خوف غير محدد؛ فالطفل يربط الأخبار بأنه خطر قريب حتى لو كانت الحرب بعيدة جغرافيًا، يبدأ بسؤال نفسه هل ممكن يصير عندنا مثل هذه الاحداث ؟
كما أن هناك أطفالا قد يعانون من اضطرابات النوم والكوابيس، فكثرة الصور والمقاطع العنيفة تتحول إلى صور ذهنية قبل النوم، فتحدث الكوابيس، أو خوف الطفل من النوم وحده.
بعض الأطفال قد يلعبون ألعابا فيها قتال أو موت، ولعبة تمثيل مشاهد إنقاذ أو هروب وهذا شكل من أشكال تفريغ الصدمة النفسية..
عقل الطفل في هذه الحالة ينشغل بالخوف، وهذا ما يجعل تفكيره مشتتا مما قد يتسبب له في انخفاض الأداء الدراسي!
وهناك نوعان شائعان من ردود الفعل لدى الأطفال الذين يتأثرون بمتابعة أهلهم لأخبار الحروب بشكل هوسي:
أولهما التعلق إذ لا يريد الطفل الابتعاد عن أمه ويسأل كثيرًا: هل أنتِ بخير؟
وثانيهما الانسحاب، والذي يتضمن الصمت وفقدان الرغبة في اللعب..
وقد يصيب بعض الأطفال عدوانية حين لا يستطيعون تفسير مشاعرهم، فيخرجونها على شكل عصبية او عناد.. وقد تتشوه صورة العالم فيبدأ الطفل يعتقد أن العالم مكان خطير دائمًا
والناس سيئون وهذا يؤثر على شخصيته مستقبلاً..
نحن هنا نناقش العامل الحاسم الذي هو سلوك الأسرة، وليس الاخبار، فالتعامل مع الأطفال وقت انتشار أخبار الحروب يحتاج وعيا من الأسرة، لأن الأطفال يتأثرون بسرعة، حتى لو لم يُظهروا ذلك بشكل واضح.
وعلى الأسرة مساعدة أطفالها نفسيًا وعاطفيًا ومن ضمن ما أوصى التربويون به :
1. التحدث بصراحة وبأسلوب مناسب لعمر الطفل دون تفاصيل مخيفة، والإجابة على أسئلة الطفل بهدوء.
2. تجنّب متابعة الأخبار بشكل مستمر أمام الأطفال.
3. طمأنة الطفل وبأن الأسرة بجانبه ، كما أن الالتزام بالروتين اليومي للطفل يعزز الشعور بالاستقرار.
4. التشجيع على التعبير عن المشاعر من خلال اللعب والرسم ليستطيع الطفل
فهم مشاعره دون الحكم عليها .
5. تعليم التعاطف مع ضحايا الحروب بالحث على مساعدة الآخرين بطرق مثل الدعاء أو التبرع.
6. ملاحظة التغيرات السلوكية، اذ يُفضّل استشارة مختص نفسي، اذا استمرت علامات مثل القلق، الخوف، اضطرابات النوم، والتعلق الزائد بالأهل
7. تقديم قدوة هادئة للاطفال يراقبون ردود فعل الأهل.
8. سؤال الطفل عن مشاعره، مما يشجعه على التعبير دون خوف من الحكم عليه.
كثير من الأطفال اليوم لا يعيشون الحروب مباشرة، لكنهم يعيشونها نفسيًا عبر الأهل والأخبار، وهنا تظهر آثار خفيّة لكنها عميقة.
تأثير هوس الأسرة بمتابعة الأخبار يلقي بظلاله السلبية على نفسية الطفل، وعلى الأسر إدراك ذلك ومواجهته بما يحمي نفسية الأطفال.