زياد الجارد
أكثر من 120 مليون زائر سنوياً، لكن بعض الفنادق لا تمتلئ حتى لثلث طاقتها.
في الوقت الذي تسجل فيه السياحة في المملكة نمواً ملحوظاً، وتستقبل ملايين الزوار سنوياً، تُظهر أرقام قطاع الإيواء جانباً مختلفاً يستحق التوقف عنده.
فمعدل إشغال الفنادق يدور حول 57 % في الربع الرابع من عام 2025، وهو مستوى مقبول، لكنه يخفي تبايناً واضحاً بين المناطق. ففي حين تتصدر المدينة المنورة بنسب إشغال مرتفعة، تسجل مناطق أخرى خصوصاً في الجنوب، نسباً منخفضة تصل إلى 26 %.
هذه الفجوة تطرح تساؤلاً مهما: هل المشكلة في الطلب أم في كيفية توزيع العرض؟
الأرقام تشير إلى أن عدد مرافق الضيافة السياحية في المملكة شهد نمواً متسارعاً خلال الفترة الأخيرة، تجاوز 30 % على أساس سنوي، حيث قفز عدد المرافق من 4,425 إلى 5,937 مرفقاً في عام واحد، وهذا التوسع يعكس ثقة كبيرة في القطاع. لكن في المقابل، لا يبدو أن هذا النمو يقابله ارتفاع مماثل في معدلات الإشغال، بل على العكس، شهدت أسعار الفنادق وفق الإحصاءات تراجعاً ملحوظاً، في إشارة إلى زيادة المنافسة وضغط العرض.
فالتحدي لا يكمن في عدد الزوار، بقدر ما يكمن في عدد الليالي التي يقضونها، إذ يبلغ متوسط مدة إقامة النزيل في الفنادق أقل من 4 ليال، وهو ما يعني أن التدفق الكبير للزوار لا يتحول بالضرورة إلى إشغال مستدام.
ويظهر هذا التباين بشكل لافت عند مقارنة مكة المكرمة بالمدينة المنورة. فبينما ترتفع معدلات الإشغال بالمدينة إلى مستويات تتجاوز 80 %، تسجل مكة نسباً أقل تبلغ 51.4 % رغم استقبالها أعداداً أكبر من الزوار.
وتعود هذه المفارقة إلى اختلاف طبيعة الزيارة، إذ ترتبط مكة بزيارات قصيرة ومركزة لأداء العمرة، في حين تميل الإقامة في المدينة إلى أن تكون أطول وأكثر هدوءاً. وهو ما يجعل عدد الليالي العامل الحاسم في تفسير هذا التفاوت.
وإذا كانت منطقة مكة المكرمة بما تضمه من مكة وجدة تمثّل أحد أكبر مراكز الجذب في المملكة، فإن السؤال لم يعد حول عدد الزوار، بل حول مدة إقامتهم.
فكيف يمكن تحويل هذه المنطقة من وجهة زيارة سريعة إلى تجربة إقامة أطول؟
وكيف يمكن الاستفادة من التكامل بين مكة، بطابعها الديني، وجدة، بطابعها البحري والسياحي، لخلق تجربة متكاملة تمتد لعدة أيام بدلًا من يومين أو ثلاثة؟
إن الإجابة على هذا السؤال قد تمثّل أحد أهم مفاتيح رفع كفاءة الإشغال، من خلال تعظيم القيمة من كل زيارة.
بعبارة أخرى، السوق لا يعاني من ضعف في الجذب السياحي، بل من فجوة بين نمو العرض وتوزيع الطلب، ومن محدودية في تحويل هذا الطلب إلى إقامة أطول وأكثر توازناً عبر المناطق.
ويظهر هذا التحدي بشكل لافت عند النظر إلى المنطقة الجنوبية، التي تتمتع بمقومات طبيعية وسياحية فريدة، لكنها لا تزال تسجل معدلات إشغال منخفضة لا تعكس حجم إمكاناتها السياحية.
وفي المقابل، تظهر بعض المدن مستويات إشغال أكثر استقراراً، مدفوعة بطبيعة الطلب المرتبط بالأنشطة الاقتصادية أو المواسم الدينية.
وكل ذلك يقود إلى نتيجة مهمة، وهي أن السوق لا يواجه فائض عرض، بل يواجه تفاوتاً في نوع وتوزيع هذا العرض، وتبايناً في قدرته على استيعاب الطلب عبر المكان والزمان.
فيصبح السؤال: ما فئة الإيواء المناسبة وأين نحتاجها وكيف نطيل مدة الإقامة؟
وكيف يمكن استثمار الأرقام القياسية التي حققتها المملكة في عدد الزوار ونموها، لتحويلها إلى تجربة متكاملة تمتد عبر أكثر من وجهة داخل المملكة بما يعظم أثرها الاقتصادي، ويعزِّز من تكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص في تصميم تجربة سياحية أكثر تنوعاً.