د. عبدالله علي بانخر
بينما تمضي المملكة العربية السعودية بخطى واثقة نحو «المستقبل» عبر مشاريع كبرى تقودها لغة الأرقام والتقنية، يبرز تساؤل إستراتيجي في أروقة جامعاتنا: هل تكفي «المعادلات» وحدها لبناء وطن طموح ومجتمع حيوية فإن رؤية 2030، في عمقها، ليست مجرد تحول اقتصادي، بل هي «إعادة صياغة» شاملة للمشهد الاجتماعي والثقافي، وهو ما يضع العلوم الإنسانية والاجتماعية في صدارة الضرورات لا في هامش الكماليات.
ففي مرحلة تحولات المجتمع وسيكولوجية التغيير تعيش المملكة اليوم تحولاً اجتماعياً هو الأسرع والأعمق في تاريخها المعاصر؛ من تمكين المرأة، إلى انفتاح قطاع السياحة والترفيه، وصولاً إلى ثقافة العمل الجديدة. هذه التحولات لا يمكن استيعاب مآلاتها أو ضبط إيقاعها دون «مختبرات» العلوم الاجتماعية. إننا بحاجة إلى الأخصائي الاجتماعي، وعالم النفس، والباحث في الأنثروبولوجيا السعودية، لفهم سيكولوجية التغيير لدى جيل الشباب، وضمان مواءمة هذه التحولات مع قيمنا الأصيلة. فبناء «المدن الذكية» كـ«نيوم» يتطلب ذكاءً اجتماعياً يفهم كيف سيعيش الإنسان داخلها، وليس فقط كيف تُبنى جدرانها.
وإن ما نشهده اليوم في الجامعات السعودية من حراكٍ تطويري يبعث على الفخر؛ فهي تسابق الزمن لتطوير برامجها الدراسة ومواكبة أحدث النظريات العالمية، دون أن تفقد «بوصلة الهوية». إن إعادة صياغة المناهج في أقسام الاتصال، والاجتماع، والآداب، ليست مجرد تحديث أكاديمي، بل هي خطة إستراتيجية لحفظ «الشخصية السعودية» في المستقبل. فالجامعات تدرك أن الانفتاح على العالم يتطلب تحصيناً فكرياً، وأن «المواطنة العالمية» لا تعني الذوبان، بل تعني القدرة على المنافسة انطلاقاً من جذورٍ وطنية صلبة وقيمٍ إسلامية راسخة.
أحد أهم ركائز الرؤية هو برنامج «جودة الحياة». وهنا تبرز العلوم الإنسانية كقيمة اقتصادية مضافة؛ فالصناعات الثقافية، والإنتاج السينمائي، وحفظ التراث الوطني، كلها مجالات تعتمد كلياً على خريجي الآداب، والتاريخ، والفلسفة، واللغويات. إن «اقتصاد المعرفة» الذي ننشده لا يقوم على تصدير التقنية فحسب، بل على تصدير «القصة السعودية» للعالم، وهي مهمة لا يجيدها إلا من تشبع بجماليات العلوم الإنسانية وامتلك أدوات النقد والتحليل الثقافي.
وفي عصر «السيادة الرقمية»، تواجه الجامعات السعودية تحدي تخريج أجيال قادرة على مواجهة الغزو الثقافي العابر للحدود. إن الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التواصل الاجتماعي ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي أسلحة ناعمة تؤثر في السلوك الوطني. وهنا تبرز ضرورة العلوم الإنسانية لتأصيل «الأخلاقيات الرقمية» وتنمية التفكير النقدي لدى الطلاب، ليكونوا قادرين على تمييز الحقائق من الزيف، وحماية النسيج المجتمعي من الاختراق الثقافي، وهو ما يصب في جوهر الأمن الوطني الشامل.
وفي نحو تكامل «البنيان» و»الإنسان» فإن الجامعات السعودية اليوم، وبدعمٍ سخي من القيادة الرشيدة، تقود مسؤولية تاريخية لمواءمة برامج العلوم الإنسانية مع طموحات الرؤية. يجب ألا نكتفي ببرامج نظرية كلاسيكية، بل نحن بحاجة إلى «علوم إنسانية تطبيقية» تشارك بفاعلية في صنع القرار التنموي. فالمستقبل الذي ترسمه رؤية 2030 يحتاج إلى المهندس الذي يبني، والاجتماعي الذي يحمي، والمثقف الذي يضيء؛ لنمضي نحو الغد بوطنٍ صلب البنيان، عظيم الإنسان، متمسكٍ بهويته، ومنفتحٍ بوعيٍ على عالمه.