عبود بن علي ال زاحم
في بيئات العمل الحديثة خصوصًا تلك التي تتسم بالانفتاح، كالمكاتب المفتوحة والمساحات المشتركة لم تعد التحديات مقتصرة على المهام والإنجازات فحسب، بل امتدت لتشمل سلوكيات خفية تُمارس يوميًا، وتؤثر بعمق على جودة العمل والعلاقات المهنية.
ومن أبرز هذه السلوكيات ما يُعرف بـ “نقّال العلوم”، ذلك الشخص الذي يتنقّل بين الموظفين حاملًا الأخبار، ناقلًا الأحاديث، وأحيانًا مُضيفًا إليها ما يثير الجدل أو يزرع الشك.
قد يبدو نقل الأحاديث للبعض سلوكًا عابرًا أو وسيلة للاندماج الاجتماعي، لكنه في حقيقته يحمل أثرًا تراكميًا عميقًا، لا يظهر فورًا، بل يتسلل بهدوء ليُحدث خللًا في بيئة العمل، ويُضعف ركائزها الأساسية.
وعند النظر إلى الأثر على العمل، نجد أن “نقّال العلوم” يُسهم في خلق بيئة تفتقر إلى الأمان النفسي. فالموظف الذي يدرك أن حديثه قد يُنقل أو يُعاد تفسيره، سيتردد في التعبير عن رأيه، أو طرح أفكاره، أو حتى المشاركة في النقاشات.
وهنا تخسر المنظمة أحد أهم عناصر نجاحها: الثقة. والثقة ليست قيمة معنوية فحسب، بل هي أساس للتعاون، ومحفّز للإبداع، وركيزة للعمل الجماعي الفعّال.
كما يُضعف هذا السلوك العلاقات المهنية، ويحوّل بيئة العمل من مساحة قائمة على الانفتاح والتكامل، إلى بيئة يسودها الحذر والترقّب.
ومع مرور الوقت، تبدأ التكتلات بالتشكل، وتتسع فجوات سوء الفهم، وتظهر النزاعات غير المباشرة، مما ينعكس سلبًا على الإنتاجية وجودة المخرجات.
أما على مستوى نفسية الموظف المتلقي، فالأثر لا يقل خطورة. فاستقبال الأخبار المنقولة خصوصًا ذات الطابع السلبي يُولد القلق، ويُغذي الشك، ويدفع إلى تبنّي مواقف مبنية على معلومات غير مكتملة.
هذا النوع من الضغوط النفسية يستنزف الطاقة الذهنية، ويشتت التركيز، ويؤثر بشكل مباشر على الرضا الوظيفي والاستقرار النفسي.
في المقابل، فإن ناقل الأخبار نفسه لا ينجو من هذا الأثر. فقد يظن أنه يمتلك “سبق المعلومة” أو “قوة التأثير”، لكنه في الواقع يعيش حالة مستمرة من التوتر، ويسعى للحفاظ على حضوره الاجتماعي بأي وسيلة.
ومع مرور الوقت، تتآكل الثقة به تدريجيًا، ليجد نفسه - دون أن يدرك - معزولًا مهنيًا، حتى وإن كان حاضرًا في المشهد.
الحقيقة التي يغفل عنها البعض أن الكلمة في بيئة العمل ليست مجرد حديث عابر.. بل مسؤولية. فهي إما أن تكون جسرًا يُبنى عليه التعاون، أو معولًا يُهدم به كل ما تم بناؤه.
من هنا، فإن الحل لا يقتصر على توجيه الأفراد فحسب، بل يبدأ ببناء ثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية، وتعزيز قنوات التواصل المباشر، وترسيخ القيم المهنية. فكلما كانت المعلومة متاحة من مصدرها، تقلصت الحاجة إلى “الوسيط”، وتراجع تأثير ناقلي الكلام.
كما أن الاستثمار في رفع الوعي بأثر الكلمة، وتنمية مهارات التواصل الإيجابي، يُعد خطوة أساسية نحو بيئة عمل صحية، يشعر فيها الجميع بالأمان، وتُحترم فيها الآراء، وتُبنى فيها الثقة على أسس واضحة.
في النهاية..
بيئة العمل الناجحة لا تُقاس فقط بالكفاءات، بل تُبنى بالثقة.
والثقة تبدأ من كلمة.. فاختر كلماتك بعناية، لتكون أثرًا يُبنى.. لا يُهدم.