صبحي شبانة
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس أهمية الأحداث بحجم ما يقع فيها من مواجهات، بل بعمق ما تتركه من آثار في بنية الدول واتجاهاتها المستقبلية، وما جرى مؤخرًا في محيط الشرق الأوسط يتجاوز كونه مواجهة عابرة، ليغدو نقطة انعطاف تفرض إعادة التفكير في مفاهيم الاستقرار، وحدود القوة، وأدوار الفاعلين الإقليميين، فالمشهد الذي بدا متماسكًا لسنوات، انكشف على واقع أكثر هشاشة وتعقيدًا، حيث لم تعد المسافات كافية لدرء الأخطار، ولا التوازنات التقليدية قادرة على احتواء التوترات المتصاعدة.
ومن هنا، يبرز سؤال تفرضه النتائج التي آلت اليها المرحلة، كيف يمكن تحويل تداعيات هذه اللحظة الثقيلة إلى فرصة لإعادة البناء بدلًا من أن تتحول إلى بداية دورة جديدة من الاضطراب؟، الإجابة لا تكمن في ردود الفعل الآنية، بل في القدرة على صياغة رؤية تتجاوز منطق الاحتواء المؤقت، نحو تأسيس مقاربة أكثر اتساعًا وعمقًا، تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الفاعلين الرئيسيين مساحة لصياغة دورهم بما يتناسب مع حجم التحديات. وفي هذا السياق، تبدو منطقة الخليج أمام استحقاق مختلف، لا يكتفي بالتكيف مع المتغيرات، بل يسعى إلى توجيهها وصناعة مساراتها. ودروبها
لم تكن الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة في تاريخ الشرق الأوسط، بل جاءت كحدث مفصلي أعاد صياغة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالأمن الإقليمي، وكشفت بوضوح حدود التوازنات الهشة التي حكمت المنطقة خلال السنوات الماضية، فخلال أربعين يومًا من التصعيد، لم تبقِ هذه الحرب آثارها محصورة بين أطرافها المباشرين، بل امتدت تداعياتها إلى عمق الخليج العربي، حيث وجدت دوله نفسها تحت تهديد مباشر من الصواريخ والطائرات المسيّرة، في مشهد غير مسبوق من حيث الكثافة والجرأة، استهدف دولًا كانت حتى وقت قريب تُعد واحات استقرار نسبي في بيئة إقليمية مضطربة.
هذا الواقع فرض تحولًا جوهريًا في طريقة التفكير الاستراتيجي لدول الخليج، إذ لم يعد ممكنًا الركون إلى سياسات التهدئة أو الاكتفاء بإدارة الأزمات عن بُعد، بل بات لزامًا الانتقال إلى مرحلة أكثر فاعلية تقوم على المبادرة وصياغة التوازنات بدل الاكتفاء بالتكيف معها، فالحرب أثبتت أن الجغرافيا لا يمكن تحييدها، وأن الثقل الاقتصادي وحده لا يحمي من التهديدات، ما لم يُترجم إلى قوة ردع متكاملة، سياسية وعسكرية وتقنية.
وفي خضم هذا التحول، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة الأكثر قدرة على قيادة مرحلة ما بعد الحرب، ليس فقط لما تمتلكه من إمكانات اقتصادية هائلة، بل لما راكمته من خبرة سياسية ودبلوماسية في إدارة الملفات المعقدة، وقدرتها على الجمع بين الواقعية السياسية والطموح الاستراتيجي، فالدور السعودي المنتظر والمرتقب لا يقتصر على احتواء تداعيات الحرب، بل يتجاوز ذلك إلى إطلاق مشروع إقليمي جديد يعيد تعريف مفهوم الأمن والاستقرار في الخليج، إن أول ما يتعين على هذا المشروع أن ينطلق منه هو بناء منظومة أمن جماعي حقيقية، تتجاوز الصيغ التقليدية التي أثبتت محدوديتها، نحو نموذج تكاملي قادر على التعامل مع طبيعة التهديدات الحديثة، وفي مقدمتها الحروب غير المتكافئة التي تعتمد على الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، فالحرب الأخيرة أظهرت أن هذه التهديدات لا تعترف بالحدود، وأن مواجهتها تتطلب تنسيقًا عالي المستوى، وتكاملًا في القدرات، وتوحيدًا في الرؤية.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد، إذ إن أحد أبرز دروس الحرب هو أن الاستقرار الاقتصادي بات عنصرًا حاسمًا في معادلة القوة، وهنا تمتلك السعودية فرصة تاريخية لقيادة مشروع تنموي إقليمي يعزز الترابط بين دول الخليج، ويحول المنطقة إلى مركز جذب اقتصادي عالمي، قادر على امتصاص الصدمات وتحويل التحديات إلى فرص، فإعادة بناء الثقة في بيئة الاستثمار، وتأمين سلاسل الإمداد، وتطوير البنية التحتية المشتركة، كلها عناصر لا تقل أهمية عن بناء القدرات الدفاعية.
أما على صعيد العلاقة مع إيران، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا وتشابكًا، فحرب الأربعين يوما تركت جرحًا عميقًا في بنية الثقة، بعد أن تعرضت دول الخليج لهجمات مباشرة، ما يجعل العودة إلى ما قبل الحرب أمرًا غير واقعي، ومع ذلك، فإن منطق الصراع المفتوح لا يبدو خيارًا مستدامًا، لا لإيران ولا لدول الخليج، في ظل الكلفة العالية لأي مواجهة طويلة الأمد، لذلك يبدو في ظني أن المرحلة المقبلة ستتسم بنمط جديد من العلاقات يقوم على مزيج من الردع والانفتاح، حيث تسعى دول الخليج إلى ترسيخ معادلة واضحة مفادها أن الأمن غير قابل للمساومة، وفي الوقت نفسه تترك الباب مفتوحًا أمام مسار دبلوماسي مشروط يهدف إلى إدارة الخلافات بدل تفجيرها، وهذا يتطلب صياغة قواعد اشتباك جديدة، تُلزم جميع الأطراف باحترام سيادة الدول، والامتناع عن استخدام الوكلاء أو الأدوات غير التقليدية لزعزعة الاستقرار.
إن نجاح هذا التوازن الدقيق يعتمد إلى حد كبير على قدرة السعودية على لعب دور الوسيط القوي، الذي يجمع بين الحزم في حماية الأمن، والمرونة في إدارة الحوار، فالمملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي ومكانة دينية واقتصادية، قادرة على أن تكون نقطة ارتكاز لأي ترتيبات إقليمية جديدة، سواء من خلال رعاية تفاهمات مباشرة، أو عبر بناء أطر جماعية تعيد تنظيم العلاقات في المنطقة، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في التعامل مع إيران، بل في كيفية استثمار لحظة ما بعد الحرب لإعادة بناء النظام الإقليمي على أسس أكثر استقرارًا، فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر أهمية، هي مرحلة إعادة التشكيل، حيث تتحدد ملامح النظام الجديد، وتتوزع فيه الأدوار والنفوذ.
وفي هذا السياق، يقف الخليج أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن يبقى ساحة لتقاطع المصالح والصراعات الدولية والإقليمية، أو أن يتحول إلى فاعل رئيسي يسهم في إنتاج الاستقرار وصياغة التوازنات، ولا شك أن الخيار الثاني يتطلب إرادة سياسية واضحة، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، واستعدادًا لتحمل مسؤوليات أكبر على مستوى الإقليم.
إن الاصطفاف إلى جانب دول الخليج في مواجهة التهديدات لم يعد مجرد موقف سياسي ظرفي، بل أصبح ضرورة استراتيجية تمليها طبيعة المرحلة، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع التحولات الاقتصادية، وتتقاطع فيها المصالح المحلية مع الحسابات الدولية، فهذه الدول، بما تمثله من ثقل اقتصادي وموقع جيوسياسي حيوي، ليست مجرد أطراف في معادلة إقليمية، بل هي ركيزة أساسية لأي نظام مستقر في الشرق الأوسط.
وفي المحصلة، فإن مستقبل الخليج بعد الحرب الامريكية الإسرائيلية الايرانية لن يُرسم فقط بنتائج المواجهة العسكرية، بل سيتحدد بمدى قدرة دوله، وفي مقدمتها السعودية، على تحويل هذه اللحظة الصعبة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة أكثر توازنًا واستقرارًا، فإما أن تكون هذه الحرب بداية لدوامة جديدة من التوتر، أو أن تتحول إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الإقليم على أسس أكثر صلابة ووضوحًا.