د. عيسى محمد العميري
منذ أمد بعيد لم يزل مضيق هرمز ممراً عاماً للجميع حيث يقع في الحدود الدولية وفقاً للمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليه دول العالم كافة، وعلى ضمان حرية الملاحة فيه.
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة والتجارة الدولية، ما يجعله ممراً حيوياً لا يخص دولة بعينها، بل يمثل مصلحة مشتركة للمجتمع الدولي بأسره. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لاحتكار هذا المضيق أو التحكم فيه بشكل أحادي تتعارض مع القوانين والأعراف الدولية، فضلاً عن كونها تمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الشعوب.
كما أن فكرة أن يكون مضيق هرمز مفتوحاً للجميع ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي ضرورة إنسانية وأخلاقية. فالدول الخليجية، التي تعتمد بشكل كبير على هذا الممر في استيراد الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، لا يمكن فصل أمنها المعيشي عن حرية الملاحة فيه.
وبالتالي، فإن أي سلوك يهدف إلى حرمان هذه الدول من استخدام المضيق لا يمكن تفسيره إلا على أنه عمل غير إنساني، يتنافى مع أبسط مبادئ الرحمة والعدل والرفق بأحوال البشر المعتمدة عليه في مواصلة حياتها المعيشية. هذا من جانب ومن جانب آخر، فإن مثل هذه الممارسات لا تمت بصلة إلى تعاليم الإسلام التي يدعيها البعض، والذي يقوم على رفع الضرر عن الناس وتحقيق مصالحهم. فالإسلام دين رحمة وعدل، لا يجيز الإضرار بالمدنيين أو التضييق عليهم في معيشتهم.
إن حرمان الشعوب من الغذاء والتموين، أو عرقلة وصول الإمدادات الأساسية، لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، بل هو سلوك يتناقض مع القيم الإسلامية التي تدعو إلى الإحسان، والتكافل، وحسن الجوار. ولا يقتصر أثر إغلاق أو تقييد الملاحة في مضيق هرمز على الحكومات أو الاقتصادات فحسب، بل يمتد ليطال الأفراد بشكل مباشر. فالمواطنون والمقيمون على حد سواء هم أول من يدفع الثمن، رغم أنهم لا علاقة لهم بالصراعات السياسية أو التوترات الإقليمية.
إن معاقبة الشعوب بهذه الطريقة تمثل شكلاً واضحاً من أشكال العقاب الجماعي، وهو أسلوب مرفوض أخلاقياً وإنسانياً، لأنه لا يميز بين بريء ومذنب.
ومن ناحية أخرى فإن العقاب الجماعي في جوهره يعكس ذهنية تقوم على التدمير لا البناء، وعلى الإيذاء لا الإصلاح. وهو نهج لا يمكن وصفه إلا بأنه أسلوب ظالم، يفتقر إلى الحكمة والإنسانية، ويؤدي في النهاية إلى تعميق الأزمات بدلاً من حلها. فبدلاً من البحث عن حلول سلمية تحفظ حقوق الجميع، يتم اللجوء إلى وسائل تضغط على الشعوب وتزيد من معاناتها، وهو ما يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي على حد سواء. والأهم من ذلك كله نقول محاربة الناس في عيشها، وسد منافذ الرزق هو عند الله أمر كبير. فلا يجوز استخدام قوتها المعيشية كورقة ضغط. لحسابات ضيقة بعيدة كل البعد عن الإسلام الذي يدعيه. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً. والله ولي التوفيق.
** **
- كاتب كويتي