عمرو أبوالعطا
في أروقة القرار الإسرائيلي، حيث يمتزج التاريخ بالمصير، وتتشابك السياسة بالأخلاق، يظهر كتاب رونين بيرغمان «انهض واقتل أولاً: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية» كمرآة قاتمة لعقلية دولة اختارت العيش بالسيف، دولة وجدت في القتل المستهدف وسيلة لتأمين وجودها، ووسيلة لترتيب التاريخ وفق ما يراه قادتها. ولا يغيب عن ذهن من يقرأ هذه الصفحات شعور بالحيرة أمام هذه العقلية التي ترى أن السلام مجرد حلم بعيد، وأن الرصاصة يمكن أن تكون لغة الحوار الوحيدة. كل ضربة مُحسوبة قد تحمل في طياتها أكثر من مجرد مصير شخص واحد، فقد تحمل مصائر أجيال، وقد تفرخ عواقب لا يمكن تقديرها إلا بعد سنوات، وتفضي إلى فشل سياسي رغم نجاح تكتيكي، وقد تؤسس لموجة من التصعيد لم تنته بعد.
بيرغمان، الصحفي الاستقصائي الذي قضى سنوات في دهاليز الموساد والشين بيت وأمان، يرسم صورة لدولة تعتبر نفسها محاصرة منذ اللحظة الأولى، دولة صغيرة المساحة، محدودة العمق، لكن واسعة الخيال الاستخباراتي، دولة طورت «عمقاً إستراتيجياً» يعوض نقص الجغرافيا بالقدرة على الوصول إلى أي نقطة في العالم لتصفية من تعتبرهم تهديداً.
وقد جاءت هذه العقيدة على شكل قاعدة بسيطة في التلمود تقول؛ «الآتي لقتلك، بادر واقتله»، قاعدة دينية تحولت مع الزمن إلى عقيدة عسكرية تبرر الضربات الاستباقية وتضفي عليها شرعية قانونية ودينية. هذه القاعدة تسكن العقل الإسرائيلي منذ ما قبل تأسيس الدولة، منذ أيام منظمات مثل بار جيورا وهاشومير، ومنذ خطط قادة لتصفيات جسدية قبل أن يكون هناك جيش نظامي أو دولة رسمية. ومنذ ديفيد بن غوريون الذي أدرك أن الحروب التقليدية الطويلة ليست في صالح إسرائيل، فابتكر العمليات الخاصة و»العمق الإستراتيجي» كبديل للحروب المفتوحة، وابتكر تصفية العقل قبل الآلة، والردع عبر الرعب، والاستخدام المنهجي للقتل كأداة سياسية، كخيار استراتيجي، كآلية لترتيب الصراع على الأرض وفق ما يراه قادة الدولة مناسباً.
فكل عملية لم تكن مجرد رصاصة، بل مشروعاً له آثار مزدوجة، تكتيكية وإستراتيجية، ويمتد تأثيرها على السياسة الداخلية والخارجية والمجتمع الإسرائيلي، وعلى أعداء إسرائيل في كل بقعة من العالم، من تونس ومالطا وقطاع غزة إلى طهران ودمشق وقبرص وباريس وأمريكا الجنوبية وحتى ماليزيا واليمن.
الكتاب يأخذنا إلى قلب عمليات صاغت تاريخ المنطقة بأسره؛ عملية «الغضب» التي أعقبت ميونخ 1972، حيث لم يكن الهدف مجرد الانتقام، بل إرسال رسالة مفادها أن دم الإسرائيلي غالٍ جداً، وأن أي مساس به لن يمر دون عقاب. لكن بيرغمان لا يغفل الفشل البشري، كما في حادثة ليليهامر بالنرويج عام 1973، حيث قُتل نادلاً مغربياً بريئاً، ليثبت أن الاستخبارات مهما بلغت دقتها معرضة للأخطاء الكارثية، وأن الرصاصة ليست دائماً ضامنة للعدالة ولا لتحقيق الهدف السياسي المنشود.
ومن هنا، ومن تونس 1988، يغطي بيرغمان عملية اغتيال أبو جهاد، ذروة التنسيق بين الموساد والجيش، حيث تم إنزال قوات نخبة على شواطئ تونس لتصفية خليل الوزير، محاولة «قطع رأس» القيادة لمنظمة التحرير.
لكن الانتفاضة لم تتوقف، بل اشتعلت أكثر، مؤكدة أن الاغتيال قد ينجح تكتيكياً ويفشل إستراتيجياً، وأن الفكرة القائلة بأن الرصاصة قد تحقق الأمن السياسي غالباً ما تكون وهماً باهتاً أمام إرادة الجماعات والشعوب.
ويواصل استعراضه عمليات تصفية أبرز القادة الفلسطينيين: فتحي الشقاقي في مالطا 1995، يحيى عياش في غزة 1996. كل عملية كانت تبدو «نظيفة» تقنياً، لكنها خلفت فراغات قيادية ملأتها شخصيات أكثر تطرفاً، وساهمت في دفع هذه الحركات نحو مزيد من التشدد والتحالف مع المحور الإيراني. ما يوضح أن الاستهداف الجسدي لا يضمن تحييد المخاطر السياسية ولا يقلل من إرادة المقاومة، وغالباً يضخمها ويعيد إنتاجها بشكل أعنف وأخطر.
وجاءت فترة التسعينيات واتفاق أوسلو لتشهد مفارقة كبرى: فبينما كانت المفاوضات تجري على مسار سياسي، كانت إسرائيل تواصل عمليات الاغتيال، وكأنها تراهن على الرصاصة والحوار معاً، مما أظهر تناقضاً جوهرياً في عقيدتها الأمنية.
ومن لبنان، حيث يروي بيرغمان كيف تحولت اغتيالات الثمانينيات إلى مختبر لتجريب كل الأساليب، بدءاً بمحاولة تصفية ياسر عرفات التي فشلت، واغتيال عباس الموسوي الذي أدى إلى صعود حسن نصر الله، ليؤكد أن الاغتيالات لا تنتج بالضرورة الردع، وقد تولد أعداء أكثر قوة وحنكة، وتغلق الباب أمام أي حلول سياسية، وتخلق دورة متواصلة من العنف لا تنتهي إلا عندما يقرر العقل السياسي أن يسبق الرصاصة بالحل السياسي.
ويشير إلى أن الانتفاضة الثانية عام 2000 مثلت مرحلة جديدة، حيث تحولت إسرائيل من «الاغتيال الجراحي» إلى «التصفية المنهجية»، واستخدمت الطائرات بدون طيار لتنفيذ مئات العمليات ضد نشطاء حماس والجهاد، لتصبح الاغتيالات روتيناً يومياً، والقتل آلية لتفريغ الإرادة. لكن التحول التكنولوجي، عبر وحدة 8200 والهواتف المحمولة، جعل إسرائيل مصنعاً للاغتيالات، كما غرس وهم السيطرة على المشهد السياسي. فالقيادة تغفل قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية على الأرض، وتصبح كل رصاصة جزءاً من دائرة مغلقة من الردع المؤقت والإحباط السياسي المستمر، مما يطرح سؤالاً حقيقياً عن جدوى هذه العقيدة على المدى الطويل.
وفيما يتعلق بالتحالفات الدولية، يكشف أن إسرائيل لم تكن تعمل بمفردها، وتبادلت المعلومات الاستخباراتية مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ومع أنظمة أخري سرية، في عمليات من دمشق إلى بيروت ومن إفريقيا إلى أمريكا الجنوبية، حيث ساعد الموساد بعض الأنظمة في التخلص من معارضين مقابل امتيازات سياسية واستخباراتية.
ومن هنا يمكن القول إن الاغتيال الإسرائيلي لم يكن مجرد أداة دفاع، بل أصبح لغة دبلوماسية، أداة لإرسال رسائل مشفرة، وأحياناً للتأثير على مسار المفاوضات، وأحياناً لمنع تقديم تنازلات، وأحياناً للتدخل في صراعات بعيدة جغرافياً لإثبات النفوذ وقدرة الدولة على حماية مصالحها بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن سقوط سمعتها أو خلق أزمات دبلوماسية عالمية.
ويصل بيرغمان بنا إلى الجانب الأخلاقي والنفسي، حيث يصف حالة العملاء الذين نفذوا هذه العمليات، الذين عاشوا بين «المهمة المقدسة» و»الذنب الإنساني»، بين الشعور بأنهم ينقذون أرواح الإسرائيليين وبين رؤية النساء والأطفال يُقتلون. فيظهر الانقسام الداخلي لدى هؤلاء القتلة الذين يصبحون أبطالاً في الظل، لا يتحدثون عن بطولاتهم، يعيشون عزلة اجتماعية ونفسية، وقد يدفعهم الشعور بالذنب إلى الاعتزال. بينما المجتمع الإسرائيلي يصنع منهم رموزاً وطنية خفية، ليصبح القتل جزءاً من الهوية الوطنية، والعسكرة جزءاً من العقل المدني، والتسامح مع الاغتيالات جزءاً من الرأي العام، الذي يطالب دائمًا بالرصاصة السريعة بدلاً من الحلول السياسية العميقة.
وهذا التآكل في القيم الأخلاقية هو «الثمن الخفي» الذي تدفعه إسرائيل مقابل أمنها المزعوم، ويدفعنا بيرغمان للتفكر في العلاقة بين القوة العسكرية وبين العدالة، بين الإستراتيجية والإنسانية، بين الردع والفساد الأخلاقي. ليصبح كتابه في النهاية تحذيراً صارخاً من أن القوة وحدها لا تحقق الأمن، وأن الرصاصة قد تؤجل الخطر لكنها لا تقضي عليه. وأن الدولة التي تختار العيش بالسيف تجد نفسها في حلقة مفرغة من العنف، تعيد إنتاج أعداء أكثر صلابة وحنكة، ولا يمكنها استبدال السلام بالرصاصة مهما بلغ إتقان القتل، مهما بلغت قوة الأجهزة الأمنية والتكنولوجيا. فحتى لو امتلكت إسرائيل أقوى آلة قتل في العالم، فإن الأمن الحقيقي لا يأتي إلا بالرؤية السياسية الشاملة، بالحلول الشاملة، بالقدرة على رؤية المستقبل بعيداً عن فوهة البندقية.
وفي نهاية الكتاب، وبين كل هذه العمليات التاريخية، من ميونخ إلى غزة ومن طهران إلى دمشق، ومن باريس إلى بوينس آيرس، يترك بيرغمان القارئ مع تساؤل وجودي: هل يمكن للقتل المستهدف أن يحقق ما فشلت فيه السياسة؟ هل يمكن للآلة الأمنية أن تعوض غياب العقل السياسي؟ هل يمكن لرصاصة واحدة أن تعيد ترتيب التاريخ كما تعيد ترتيب الجثث؟ أم أن الرصاصة، مهما بلغت دقتها، مجرد بداية لدورة متواصلة من الانتقام، وأداة لتأجيل المواجهة الكبرى، وليس لتحقيق أي سلام حقيقي؟ ليظل السؤال النهائي، كما ظل مع كل ضحية من ضحايا الصراع، مع كل عملية، مع كل تصفية: وماذا بعد؟