مرفت بخاري
تمرّ بنا الأيام، لا كعابرٍ صامت، بل كيدٍ خفيةٍ تُعيد تشكيلنا دون أن نُدرك فنلتفت فجأة، لنكتشف أنها لم تكن تسير بنا، بل كانت تسبقنا، وأننا لم نُسرع خلفها… بل تأخرنا عن إدراك معناها.
وأنها، في صمتها الطويل، لم تنتزع منا ما نملك فحسب، بل اقتلعت منّا ما لم يكتمل بعد، نوايا تشكّلت ثم خمدت، وقصصٌ وُلدت على أطراف الخيال ثم أُجهضت قبل أن تُروى، وطموحاتٌ امتدت كالنور، لكنها لم تجد فينا زمنًا يكفي لتستقر.
كأننا كنا نعيش لنصير لكننا لم نُمهل أنفسنا لنكون وهنا ينهض السؤال، لا كاستفهامٍ عابر، بل كجرسٍ داخليّ لا يهدأ أكان الخلل في الزمن؟
أم في استعجالنا نحن، حين توهّمنا أن الفهم يولد مكتملًا، وأن الإنسان يُختزل في لحظة، ويُحاكم خارج امتدادِه، لا داخل سيرته؟
نُربي أبناءنا في عجلةٍ لا تُشبههم، نُقفل باب الحوار قبل أن يُستكمل، نُصدر أحكامنا ونحن نبحث عن يقينٍ لم يكتمل بعد، فنخسر الحقيقة ونخسر الإنسان، كأننا نُنازع في سلوكنا سنن التكوين الأولى، حين يسبق التهيؤُ التكليف، ويسبق النضجُ الحِمل، ويُصنع القلب قبل أن يُكلَّف بما يُثقل.
ثم يتجلّى أمامنا المعنى العظيم في ميقاتٍ لا يُقرأ كرقم، بل كمنهجٍ في صناعة الإنسان، (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة)
أربعون ليلة، لم تكن انتظارًا، بل إعدادًا، لم تكن تأخيرًا، بل تهيئة، لم تكن زمنًا يُحسب، بل معنى يُبنى.
فكما لم يُعطَ موسى عليه السلام الخطاب قبل أن يُهيّأ له، كذلك نحن لا نُحسن حمل قراراتنا، ولا تربية من حولنا، لأننا نُسقط التدرّج من حياتنا، ونستعجل النتائج قبل أن تكتمل الأسباب.
إننا لا نُخطئ لأننا لا نعرف، بل لأننا لا نصبر على المعرفة حتى تكتمل. ولو أمعنا النظر، لوجدنا أن كثيرًا مما أفسدته قراراتنا، لم يكن خطأً في الفكرة، بل خطأً في التوقيت.
إن التأمل في هذا الميقات لا يقود إلى سردٍ تاريخي، بل إلى إدراكٍ أعمق لحكمةٍ إلهية، أن العطاء الأعظم لا يُمنح إلا بعد إعدادٍ يليق به، وأن النور حين يُلقى في قلبٍ لم يُهذّب، قد يُربك بقدر ما يُبصّر.
مع أن القدرة الإلهية لا يعجزها التعجيل، ولا يقف أمامها زمن، إلا أن هذا التدرّج لم يكن تأخيرًا، بل كان تربية، وتمهيدًا، وصناعة لبصيرةٍ قادرة على حمل ما ستُلقى عليها من وحيٍ ثقيل.
وهنا يظهر الفارق بين سنن الله في التكوين، وسلوك الإنسان في التصرّف، فالله يُمهل ليُربّي، أما الإنسان فيستعجل ليحكم.
نحن اليوم نعيش في زمنٍ طغت فيه القرارات اللحظية، والأحكام السريعة، والاختزالات القاسية. نُصدر أحكامنا على أبنائنا، ونُقنن مشاعرنا تجاه من حولنا، ونرسم مصائر علاقاتنا، أحيانًا، بناءً على موقفٍ عابر، أو انطباعٍ لم يكتمل.
وهنا يغيب درسٌ عظيم، أن الصبر ليس مجرد فضيلة، بل شرطٌ للإدراك الصحيح. فلا فهم بلا تدرّج، ولا استيعاب بلا تمهّل، ولا تربية بلا صبر.
إننا بحاجة أن نستعيد هذا المعنى في بيوتنا، وفي قراراتنا، وفي تعاملاتنا، أن لا نحكم على إنسانٍ قبل أن نمنحه حقه في الزمن، وأن لا نُصدر قرارًا قبل أن نُكمل فصول الفهم، وأن نُدرك أن العدل لا يكون أحيانًا إلا في التمهل.
لقد علّمنا الله في ميقات موسى أن أعظم العطاءات تأتي عبر زمنٍ من التهيئة، فهل نتعلم نحن أن أعظم قراراتنا تحتاج زمنًا من الصبر؟
إنها ليست دعوة للتأجيل، بل دعوة للنضج قبل الحكم، وللفهم قبل القرار، وللرحمة قبل المساءلة. فليتنا نُمهل كما أمهل الله، حتى نُبصر كما أراد الله.
والمفارقة أننا لا نخسر لأننا لا نملك الرؤية، بل لأننا نُصرّ على إصدارها قبل أن تنضج. فنكسر إنسانًا بكلمة، ونُغلق طريقًا بظن، ونحكم على أعمارٍ كاملة من لحظة عابرة، ثم ننتظر من الزمن أن يُصلح ما أفسدته عجلة القرار.
والزمن، كعادته، لا يُصلح ما كُسِر، بل يكشف لنا فقط مقدار استعجالنا.
فليتنا لا نُورث قراراتنا العجلة، ولا نُحمّل أبناءنا ما لم يُمهَّد لهم، ولا نخلط بين ما نريد… وما ينبغي أن يكون.
لأن أخطر ما نفعله بأنفسنا، ليس أن نخطئ… بل أن نُصرّ على أننا لم نكن مستعجلين.
وليتنا نتعلم أن الزمن ليس عدوًا، بل أداة في يد الحكمة، تُهذّبنا قبل أن تُكلّفنا، وتُعدّنا قبل أن تُسند إلينا.
إن أعظم القرارات ليست تلك التي نملك الجرأة على اتخاذها، بل تلك التي نملك الشجاعة على تأجيلها حتى تكتمل.