إيمان حمود الشمري
تَعرف أنك في وطن لا تقاس قوته بما يملك من موارد فقط، وإنما في قدرته على السيطرة الحكيمة في إدارة الأزمات، ففي كل مرة تجتاز المملكة العربية السعودية اختبار الثقة، وتحول الأزمات إلى تحديات، تدير فيها اللحظات الحرجة بثبات ورؤية بعيدة.
أكثر من أزمة مرت أكدت على كفاءة المملكة في إدارة المشهد داخلياً وخارجياً، والتاريخ يكتب ويسجل، وأنت كمواطن تشاهد وتلاحظ، فبرغم تصاعد الأحداث السياسية الأخيرة، ظل المواطن السعودي يمارس يومه بشكل طبيعي دون أن تمس تلك التطورات استقراره وإيقاع يومه، حركة شوارع انسيابية وآمنة، سلع متوفرة.... لدينا موارد ، وماء وكهرباء ، ولدينا أيضاً «اكتفاء»!!
لا شك أن أي تهديد لصادرات النفط السعودية يعتبر تهديدا لاستقرار الاقتصاد العالمي... وبرغم أن المملكة العربية السعودية تُعدّ ثاني أكبر منتج للنفط عالميًا، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي، فضلًا عن كونها أكبر مُصدّر للنفط الخام، حيث يشكّل إنتاجها اليومي نحو 16% من المعروض في الأسواق العالمية، ما يجعلها طرفًا محوريًا في استقرار الأسواق وضمان أمن إمدادات الطاقة التي تنعكس مباشرة على أسعار السلع عالميًا، إلا أن هذا الثقل لم يُحوّلها إلى أداة هيمنة بقدر ما رسّخ دورها كصمّام أمان يحفظ التوازن ويجنّب الأسواق التقلبات الحادة.
هذا الدور الحيوي والسلمي لم يُعفِها من استهداف بنيتها ومقوماتها بهجمات معادية، الأمر الذي يعكس حجم التحديات التي تواجهها رغم نهجها القائم على الاستقرار ونبذ التصادم، ففي عام 2019 تعرضت المملكة لهجوم إرهابي لمنشآت بقيق وخريص التابعة لأرامكو السعودية عطّل نصف إنتاجها، وفي العام الحالي 2026، تعرضت عدد من منشآت الطاقة للاستهداف، شملت محطات ضخ خط أنابيب شرق ومعمل منيفة وغيرهما، ولكن في كل مرة تعود المملكة للتعافي السريع بعد -فضل الله- «للمحتوى المحلي»، الذي يعكس نموذجا عالي الجاهزية في امتصاص الصدمات، قادرا على السيطرة وسرعة المعالجة لتفادي التأثيرات العالمية.
إذ يعتبر برنامج «اكتفاء» الذي أطلقته شركة أرامكو السعودية عام 2015 لاعباً رئيسياً في دعم الاستقرار وحفظ التوازن، وتعزيز استقلالية صناعة النفط، حيث حوّل قطاع التوريد من مجرد شراء احتياجات إلى محرك اقتصادي داخل المملكة... مرونة في الأداء تعكس صلابة البنية التنظيمية، حيث تقوم فكرته على تعظيم الاعتماد على المحتوى المحلي، من خلال تنويع الاقتصاد وتقليل الارتباط بالخارج، عبر نقل التقنية والخبرات والمعرفة من خلال جذب الاستثمارات العالمية وتوطين الوظائف.
وقد حقق هذا التوجه نحو 70% من مستهدفاته، مع تطلع للوصول إلى 75%، مما يعزّز دوره كمتنفس حيوي في مواجهة الأزمات. وبفضل ذلك، أصبحت المملكة أكثر قدرة على التعامل مع أي انقطاعات مفاجئة، إذ يمكن تعويض النقص بسرعة عبر منظومة محلية متكاملة تُعرف باسم: «اكتفاء».