فضل بن سعد البوعينين
في لقاء مع قناة روتانا، مطلع الشهر الحالي، أشرت إلى أن الصدمة الاقتصادية الناتجة عن الحرب، وتعثر إمدادات الطاقة، بسبب تهديد الملاحة البحرية في مضيق هرمز، لم تظهر تداعياتها الحقيقية بعد، ومن المحتمل أن نرى مع مرور الوقت، تداعيات أكثر حِدة تقود نحو أزمة اقتصادية مؤثرة، تعيد للأذهان ما حدث في العام 2008 وربما أعظم من ذلك.
يبدو أن سيناريو الحرب، برغم اتفاق وقف إطلاق النار الهش، يتجه نحو التصعيد المؤدي إلى أزمة اقتصادية مؤثرة، فالخليج العربي هو شريان الطاقة العالمي، والمسار الذي تمر من خلاله المغذيات الزراعية المؤثرة في الإنتاج الزراعي، والمنتجات البتروكيماوية، والوقود بأنواعه، ومنتج الهيليوم، المؤثر في الصناعات التكنلوجية، والقطاع الطبي. تعطل إمدادات النفط والغاز والمغذيات الزراعية سينعكس على صناعات حيوية، وقطاعات اقتصادية، وفي مقدمها القطاع الصناعي، الزراعي، السياحي، والطيران، والتجارة العالمية، وسيرفع التكاليف، وربما دفع الشركات إلى هاوية التعثر، ما يعني التأثير المباشر على استقرار القطاعات المالية. فالأمر مرتبط بسلسلة متشابكة من العلاقات المالية، والإنتاجية والتسويقية، وتضرر أي منها، يعني بالتبعية وقوع الضرر الشامل.
وزير المالية السعودي محمد الجدعان حذر، خلال جلسة نقاشية حول الاقتصاد العالمي، من استمرار التداعيات الاقتصادية لحرب إيران لفترة أطول مما تتوقعه الحكومات، وشدد على ضرورة تهيئة الاقتصادات لمواجهة ضغوط مستمرة على الإمدادات والطاقة، واعتبر أن تقديرات الأسواق تميل إلى التفاؤل المفرط مُقارنةً بالواقع، و أن تعافي سلاسل الإمداد العالمية لن يكون سريعاً حتى في حال توقف الأعمال العسكرية.
وزير المالية القطري علي الكواري، أشار أيضا إلى أن تداعيات الحرب تجاوزت التوقعات، واعتبر أن ما ظهر حتى الآن من تداعيات اقتصادية لا يمثل سوى «قمة جبل الجليد»، ولم تتكشف التداعيات الكاملة في ظل توقعات بظهور آثار أوسع على الاقتصاد العالمي خلال شهر واحد فقط.
تحذيرات أخرى صدرت من مسؤولين دوليين اعتبروا الحرب الحالية، خطراً يتجاوز أثره أسواق النفط إلى الاقتصاد العالمي الأوسع، وربما النظام المالي العالمي، هذا بخلاف تأثيره على خطط التنمية، ومعدلات النمو، والدول الفقيرة على وجه الخصوص التي ستعاني كثيرا بسبب فقر الطاقة، وتضخم الأسعار.
ما يحدث في الخليج العربي هو كارثة اقتصادية ومالية، وإن لم تُظهِر وجهها الحقيقي بعد، فإعلان القوة القاهرة في أهم الدول المنتجة يعني تضاؤل فرص التعافي السريع من تداعيات استهداف المنشآت النفطية، وإغلاق مضيق هرمز، في الوقت الذي ستتسب فيه عودة المواجهه الأميركية الإيرانية، إلى مخاطر كبرى قد يدوم أثرها إلى سنوات قادمة وليس أشهرا كما توقعها بعضهم، خاصة ونحن نتحدث عن تدمير منشآت مهمة، وتوقف آبار عن ضخ النفط ما يعني تأثرها مستقبلا، إضافة إلى التحديات المالية التي ستواجه الدول المنتجة، وهي تحديات خطيرة بدأت في التشكل.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حذر في تقرير له بأن اقتصادات الدول العربية تتجه نحو خسائر قد تصل إلى 200 مليار دولار نتيجة الحرب، وتوقع تسجيل انكماش الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة بين 3.7% و6%، مع تركز الأثر الأكبر في دول الخليج والمشرق.
ربما كان البرنامج أكثر تحفظا في توقعاته، فالخسائر قد تتجاوز ضعف الحجم المعلن، والأعظم من ذلك الخسائر الشاملة التي ستتعرض لها الدول، والمجتمعات، وتوقف التنمية، والتحديات المالية التي قد تعصف بالنظام المالي مستقبلا، وتعجل بانفجار فقاعة الأزمة المالية العالمية المرتقبة.
مخاطر الحرب، وتداعياتها، تبرر الجهود الدبلوماسية التي انخرطت فيها دول المنطقة، وفي مقدمها السعودية، التي تعلم حجم المخاطر والأضرار الاقتصادية والمالية المترتبة عليها، وهي مخاطر كبرى، قد لا يستوعبها بعض الساسة اليوم، ولكن قطعا سيتفاجؤون بتأثيرها على دولهم قبل الدول الأخرى.
تهيئة الاقتصادات لمواجهة ضغوط مستمرة على الإمدادات والطاقة، هي النصيحة التي قدمها وزير المالية محمد الجدعان للعالم، وهي نصيحة مهمة لمواجهة المخاطر المتوقعة والتحديات المتوقع حدوثها مستقبلا، وهي تحديات تطال الجوانب المالية والتنموية والأمنية أيضا، ولا سبيل لتفاديها، غير أن من الممكن الحد منها بوقف الحرب، وردع إيران عن تهديدها أمن دول المنطقة، وأمن الطاقة، والاقتصاد العالمي.