صالح الشادي
لم تنتهِ الصحافة برحيل الورق، بل على العكس تماماً، بدأ دورها الحقيقي يتجلَّى أكثر من أي وقت مضى. ففي زمن تتدفق فيه الأخبار كالسيل الجارف، وتتزاحم المنصات الرقمية على أعيننا وعقولنا، تصبح الحاجة إلى صحافة حقيقية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالصحافة ليست مجرد مهنة تنقل الخبر، إنها عين المجتمع التي ترى ما لا يراه، ولسانه الذي ينطق بما لا ينطق به، وعقله الذي يفكك التعقيدات. في حياتنا اليومية، نعتمد عليها لنفهم ما يحدث حولنا، ولنتخذ قراراتنا سواء كأفراد أو كمسؤولين. بدون صحافة حقيقية، نغرق في بحر من الشائعات والأخبار المغلوطة والآراء المتسرِّعة، وتتحوَّل المجتمعات إلى فضاءات للفوضى المعلوماتية. إنها ضرورة حياتية في عصر المعلومات، وليست ترفاً فكرياً.
لكن المشكلة اليوم ليست في غياب الوسيلة، بل في ضبابية مفهوم «الصحفي» نفسه. فبالمفهوم المهني العميق، الصحفي ليس مجرد ناقل خبر أو منتج محتوى. الصحفي الحقيقي هو صانع أسئلة لا ناقل أجوبة، يقرأ ما لا يقرأه الآخرون، ويبحث في حيث لا يبحث أحد. هو محلِّل وناقد يستطيع أن يضع الحدث في سياقه، ويميز بين الجوهر والشائبة، وينقد المنجزات لا ليهدمها، بل ليحسنها. هو مؤرِّخ للحظة الراهنة، يلتقط ما تعجز عنه الكاميرات الفضولية، ويكتب ما لم تتناقله الألسن. هو من يحرك القضايا الساكنة، ويهدئ من حدة المشتعلة، ويكون عيناً لا تغمض على الحدث وما وراء الحدث. وقبل كل ذلك، هو مسؤول أمام ضميره ومجتمعه، قبل أن يكون مسؤولاً أمام رئيس التحرير أو الإعلانات.
ولا يمكن لمن لا يملك الموهبة الفطرية أن يصبح صحفياً عظيماً. فالموهبة هي الحساسية العالية للأحداث، والقدرة على رؤية القصة، حيث لا يراها الآخرون. أما الشغف فهو الوقود الذي يحرك هذا الصحفي ليعمل لساعات متأخرة، ويعيد التحقق من المصادر، ويقرأ مئات الصفحات للوصول إلى فقرة واحدة. الشغف هو ما يجعله يكتب في منتصف الليل لأنه وجد خيطاً جديداً في قضية تهم الناس. هو ما يمنعه من الاستسلام لسهولة «القص واللصق» والنقل من وكالات الأنباء والذكاء الاصطناعي وغيره دون تمحيص. الشغف هو الفرق بين من يعمل «وظيفة» ومن يعيش «رسالة». وما نراه اليوم من انتشار للأسماء التي تنتسب إلى الصحافة مهمتها فقط نقل الخبر والقص واللصق، والكل يقدم نفسه على أنه إعلامي، إنما هو دليل على أن المهنة فقدت الكثير من معناها الحقيقي. لم يعد من السهل أن نرى صحفياً حقيقياً من خلال أعماله إلا ما ندر.
نحن نعيش أزمة حقيقية: نرى صحافة بلا صحفيين. بعض الأسماء المخضرمة بقيت تمارس العمل، لكنها للأسف تكرر الأسلوب السائد: نقل الخبر بسرعة، وكأن دورها الحقيقي قد انتهى. بعضهم اعتقد أن خبرته لم تعد مطلوبة في زمن «الترندات» والفيديوهات القصيرة، وهذا خطأ فادح. فخبرتهم الطويلة، وأقلامهم التي لا ينضب مدادها، وتحليلاتهم التي تستند إلى عقود من التخصص، هي بالضبط ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى. الأحداث الأخيرة في المنطقة أثبتت أن الجمهور يعاني من فقر تحليلي في زمن وفرة إخبارية، وأننا لا نعاني من نقص في التغطية، بل من نقص في التحليل العميق، والنقد الجريء، والصحفي الذي يضع يده على الجرح دون مواربة. نحن بحاجة إلى صناع خبر لا ناقلين، إلى محللين ونقاد يقرأون الحدث من كل زاوية، ويقدمون للقارئ ولصانع القرار على حد سواء رؤية متكاملة.
لكن السؤال المحير: أين هم؟ هل اختفوا لأن المهنة لم تعد تجذب الموهوبين الشغوفين في زمن الشهرة السريعة؟ أم لأن المنصات الرقمية والأجواء الإعلامية الجديدة لا تتيح مساحة كافية للتعمق؟ أم أن ضجيج الأخبار العابرة و»الترندات» اليومية يخفي صوتهم؟ أعتقد أنهم ما زالوا موجودين، لكنهم يحتاجون منا أن نبحث عنهم، وأن نمنحهم المساحة، وأن نقدر قيمتهم. المهمة اليوم ليست فقط في إنتاج صحفيين جدد، بل في اكتشاف ودعم من تبقى منهم، وتوفير مناخ يقدّر التعمق والنقد والمسؤولية، لا السرعة والإثارة فقط. الصحافة لم تنتهِ، لكن الصحفي الحقيقي يحتاج منا أن نمنحه الأهمية التي يستحق، قبل أن يختفي تماماً في زحام الناقلين.