د. طلال الحربي
حين تنهمر السماء بمطرها وتغسل الرياض بمائها، تجد المدينة نفسها في حضن من اليقظة والاستعداد لا يفتر. فمع أول قطرة تلمس أرصفة العاصمة، تكون أمانة الرياض قد سبقتها بالتهيؤ والانتشار، كأنها تقرأ في الغيوم ما تخبئه قبل أن تبوح به.
المشهد الذي يراه المتجول في أحياء الرياض خلال موسم الأمطار يعكس بجلاء حجم الجهد المبذول خلف الكواليس. فالآليات والمعدات الثقيلة تنتشر في الميادين والشوارع والأحياء، ولا سيما تلك المناطق التي لم تكتمل بنيتها التحتية بعد، حيث تضطلع هذه المعدات بدور محوري في سحب تجمعات المياه وتوجيهها نحو مواقع التصريف المخصصة، حتى لا تتحول نعمة المطر إلى عبء على السكان أو عائق أمام حركتهم اليومية.
غير أن الصورة ليست على هذا المنوال في سائر أرجاء المدينة؛ إذ تعمل شبكات تصريف المياه في المناطق ذات البنية التحتية المكتملة بكفاءة تُريح البال، فتستوعب ما يهطل من مطر وتصرّفه بسلاسة دون أن يتركَ أثراً يُذكر على الطرق والأحياء. وهنا يبدو واضحاً ما بلغته الرياض من نضج في إدارة منظومتها الحضرية، وما وصل إليه التخطيط العمراني من مستوى يجعل المدينة قادرة على مجاراة الطبيعة وتحويل تحدياتها إلى انسيابية وهدوء.
وتأتي هذه الجهود المكثفة في سياق متابعة مستمرة من سمو أمين الرياض، الذي يُولي ملف استعدادات موسم الأمطار اهتماماً خاصاً، ويحرص على أن تكون الاستجابة دائماً في مستوى تطلعات ساكني العاصمة، وخلف هذه المتابعة يقف طاقم من منسوبي الأمانة المخلصين الذين لا يعرف عملهم توقيتاً محدداً، فهم على أهبة الاستعداد طوال أربع وعشرين ساعة، يرصدون ويتحركون ويتدخلون أينما دعت الحاجة، وكأن راحة المدينة هي راحتهم التي لا يقبلون عنها بديلاً.
ثمة شيء يبعث على الطمأنينة حين يرى المرء هذه اللوحة في موسم الخير؛ مدينة تتلقى مطرها بابتسامة هادئة، وأمانة تحتضن كل حي وكل زاوية بعين لا تنام. الرياض اليوم لا تخشى غيوم الشتاء، لأنها أعدّت لها ما يليق بمكانتها عاصمةً تنمو وتتحضّر وتتقدم.