زياد الجارد
في الأزمات، لا تُقاس القوة بما يُقال. فالتصريحات قد تملأ المشهد، لكن القدرة الحقيقية تظهر في احتواء القلق، واستمرار المصالح دون انقطاع. وهنا يظهر الفارق بين من يدير الحدث، ومن يدير الحديث.
إن الهدوء في الأزمات لا يعني التردد، بل يعكس مستوى أعلى من التحكم، فالقيادة التي لا تنجرف إلى ردود الفعل، تملك القدرة على قراءة المشهد قبل أن تتفاعل معه.
وهنا تصبح القدرة على الهدوء ذكاءً استراتيجياً، يمنح مساحة للتفكير، ويحد من الاندفاع، ويبقي المشهد متوازناً.
وهذا الثبات في الظاهر لا يعني غياب الحركة، بل يخفي وراءه تحركاً مدروساً يصنع الفارق. فالقيادة الفاعلة لا تكتفي بإدارة الصورة العامة، بل تركز على استمرارية التشغيل وتقليل أثر الاضطراب. وترتكز على قدرة المنظومة على التحرك بمرونة، كما تجلى ذلك في تعامل المملكة مع سلاسل الإمداد، ودورها في الحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة والتجارة والموارد، وتخفيف الضغوط على المنطقة والعالم.
فاستمرار تدفق السلع، وانسيابية الحركة، والقدرة على تجاوز الأزمات، كلها مؤشرات على كفاءة التنفيذ، لا كثافة الخطاب. ولأن الأسواق تتأثر بشكل أكبر بالتوقعات وبالروايات المحيطة بالحدث من تأثرها بالوقائع، فإن الإدارة الفاعلة لا تكتفي بضبط العمليات، بل تمتد تشمل ضبط الإيقاع العام للمشهد.
فالاستقرار الذي نلمسه هو نتيجة لإدارة التوقعات، واحتواء القلق، ومنع تضخم المخاوف، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار السوق وثباته. وهنا يتجلى الذكاء الإداري بوضوح، فالهدوء لا يعني بطئاً في التنفيذ، بل يعني أن التحرك يتم بكفاءة دون ضجيج.
ويتجلى ذلك في القيادة السعودية التي استطاعت، بذكائها وحكمتها خلال هذه الأزمة، ترسيخ حالة من الاطمئنان على المستويين الإقليمي والدولي. وقدّمت المملكة درسًا إداريًا بامتياز؛ مفاده أن الأزمات لا يملك فيها الجميع القدرة على الهدوء والمرونة، بل تكشف من يملك القدرة على إدارتها.
وهنا يتضح الفارق بين من ينشغل بإدارة الحديث ومن ينجح في إدارة الحدث.