صبحي شبانة
في الجغرافيا التي تضيق فيها المسافة بين السواحل، تتسع احتمالات الصدام، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى عوامل تفجير كبرى، في مضيق هرمز الذي يعد عنق العالم النفطي، لا يُقاس الخليج العربي بمساحته، بل بما يحمله من توترٍ مكثف، وما يختزنه من رسائل قوة قابلة للاشتعال في أي لحظة، مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي تعبره السفن والناقلات بانتظام، بل أصبح ساحة اختبار يومي لإرادات متقابلة، تتقدم خطوة وتتراجع أخرى، دون أن تغادر حافة المواجهة.
وفي هذا المشهد المتوتر، لم تعد الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران محكومة بأطر وضوابط سياسية قابلة للاحتواء، بل أخذت تتسع تدريجيًا لتتحول إلى فجوة إستراتيجية عميقة، تتجاوز الخلاف على النفوذ إلى صراع على قواعد اللعبة ذاتها، فكل طرف لا يكتفي برفض شروط الآخر، بل يعمل على إعادة تعريف التوازن في هذا الممر الحيوي وفق رؤيته الخاصة، ما يجعل أي مساحة مشتركة للتفاهم أكثر ضيقًا، وأكثر هشاشة.
ومع اتساع هذه الهوة، تبرز محاولات إقليمية لاحتواء التصعيد، حيث تلعب باكستان دور الوسيط الذي يسعى إلى جسر الفجوة بين الطرفين، عبر قنوات دبلوماسية هادئة تستهدف إعادة إحياء مسارات التفاوض، هذا الدور، وإن كان يتحرك بعيدًا عن الأضواء، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن ترك الأمور لمنطق القوة وحده قد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة يصعب السيطرة عليها، غير أن نجاح هذا المسعى يبقى مرهونًا بمدى استعداد واشنطن وطهران للانتقال من منطق اختبار الإرادات إلى منطق إدارة المصالح.
هنا، تتراكم الرسائل المتبادلة فوق سطح الماء وتحتَه، من تحركات عسكرية مكثفة إلى استعراضات قوة محسوبة، في وقت يتراجع فيه منسوب الثقة إلى أدنى مستوياته، لم يعد الخلاف مجرد تناقض في المصالح، بل أصبح حالة من الاشتباك المفتوح غير المعلن، حيث تُدار المواجهة بأدوات متعددة، وتُختبر فيها حدود الصبر قبل حدود القوة، وبين خطوة محسوبة وأخرى مرتجلة، تتسع هوة الخلاف، ويصبح المضيق مرآة تعكس ليس فقط صراعًا على المرور، بل صراعًا على من يملك حق التحكم في شريان العالم الحيوي.
قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان مضيق هرمز يعمل كقلب نابض للطاقة العالمية، الأرقام وحدها تكفي لفهم حجم الأزمة، نحو 20 مليون برميل نفط كانت تعبر يوميًا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، وعلى مستوى الحركة الملاحية، مرّ عبر المضيق قرابة 32 ألف سفينة سنويًا، بمعدل يقارب 90 سفينة يوميًا، بين ناقلات نفط وغاز وسفن تجارية، لم يكن ذلك مجرد رقم، بل تعبير عن اعتماد العالم على هذا الشريان الحيوي الذي يحمل في جوفه استقرار الأسواق الدولية.
لكن هذا الإيقاع المنتظم لم يصمد طويلًا أمام طبول الحرب، مع تصاعد المواجهة، تغيّر المشهد جذريًا، التقارير الحديثة تشير إلى أن حركة الناقلات تراجعت في البداية بنسبة تصل إلى 70%، قبل أن تقترب من الشلل الكامل، مع بقاء أكثر من 150 سفينة راسية خارج المضيق في انتظار لحظة عبور آمنة، وفي ذروة التوتر، لم يعد يُسمح إلا بمرور محدود لا يتجاوز 15 سفينة يوميًا وفق ترتيبات هدنة هشة، وهو رقم يعكس حجم الاختناق الذي أصاب هذا المضيق الحيوي. في هذه الجغرافية المشحونة، لم تعد السفن تتحرك وفق قوانين الملاحة التقليدية، بل وفق حسابات الخطر، القوارب السريعة التابعة للحرس الثوري الإيراني تحولت إلى أداة ضغط يومي، تلاحق الناقلات، تقترب منها، تفرض عليها مسارات محددة، أو تجبرها على التوقف والتفتيش، هذه التكتيكات، التي تقوم على التحرش دون الاشتباك الكامل، جعلت من كل رحلة عبور مغامرة محفوفة بالاحتمالات، حيث يكفي خطأ صغير أو تقدير خاطئ لإشعال مواجهة واسعة.
ولم تقتصر التهديدات على المضيق البحري، بل امتدت إلى استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، وزرع الألغام في ممرات العبور التي تؤدي اليه، وهو ما دفع شركات الشحن العالمية إلى تعليق عملياتها، ورفع تكاليف التأمين إلى مستويات غير مسبوقة، في لحظة واحدة، تحولت الناقلة من وسيلة نقل إلى هدف محتمل، وأصبح المرور عبر المضيق قرارًا إستراتيجيا لا يقل تعقيدًا عن قرار الدخول في حرب.
اللافت في هذا المشهد، أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل أصبح صراعًا على إدارة المخاطر، إيران من جانبها تدرك أن إغلاق المضيق بالكامل قد يستدعي ردًا دوليًا واسعًا، لذلك تلجأ إلى سياسة الخنق التدريجي الممنهج، حيث تُبقي الممر مفتوحًا نظريًا، لكنه مغلق عمليًا بفعل المخاطر، وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية فرض معادلة ردع تمنع هذا الخنق من التحول إلى واقع دائم، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
هنا، تتجلى خطورة المرحلة: نحن أمام هدنة مؤقتة لا تُنهي الصراع، بل تعيد تنظيمه. هدنة تُبقي السفن في حالة ترقب، والأسواق في حالة قلق، والسياسة في حالة انتظار. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الزمن عنصرًا مضاعفًا للتوتر، لأن كل يوم يمر دون حل، يزيد من احتمالات الانفجار.
وسط هذا المشهد المعقد، يبرز الموقف السعودي كركيزة توازن في لحظة اختلال، فالمملكة، التي تدرك أن استقرار الخليج ليس خيارًا بل ضرورة، تتبنى خطابًا يقوم على ضبط النفس، والدفع نحو التهدئة، وإعادة الأطراف إلى مسار الحوار، هذه الدعوة لا تنطلق من حسابات ضيقة، بل من إدراك عميق بأن أي مواجهة مفتوحة في هذا الممر الحيوي ستنعكس على المنطقة بأكملها، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
السعودية، بحكم موقعها وثقلها في سوق الطاقة، تدرك أن اضطراب المضيق لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل يعني إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، فحين تتوقف الناقلات، لا تتوقف معها التجارة فقط، بل تتوقف أيضًا توازنات دقيقة بنيت على مدى عقود، ومن هنا، فإن الدعوة إلى السلام ليست ترفًا دبلوماسيًا، بل محاولة استباقية لمنع انهيار هذه التوازنات.
وفي قراءة أعمق، يمكن القول إن حرب الناقلات ليست سوى وجه من وجوه صراع أكبر، يدور حول من يملك القدرة على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي، فالمضيق الذي يمر عبره نحو 11% من التجارة العالمية، لم يعد مجرد ممر، بل أصبح ورقة ضغط في لعبة دولية معقدة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية.
النقطة الأكثر حساسية، أن هذا الصراع يجري في بيئة مشبعة بالأسلحة، ومفتوحة على احتمالات الخطأ، حادثة واحدة، صاروخ طائش، أو اشتباك محدود بين زورق وناقلة، قد يتحول في لحظة إلى شرارة حرب واسعة، وهنا يكمن الخطر الحقيقي ليس في النوايا المعلنة، بل في الأخطاء غير المحسوبة.
في النهاية، تبدو الصورة وكأنها سباق بين خيارين: إما أن تنتصر الحكمة قبل أن تنفد مساحة الخطأ، أو أن يسبق الخطأ الجميع، ويفتح الباب أمام حرب لا يريدها أحد، لكنها قد تفرض نفسها على الجميع.