سعدون مطلق السوارج
لم يعد ما يجري في الخليج منذ فبراير وحتى أبريل مجرد حالة توترٍ عابرة يمكن احتواؤها ضمن أدوات إدارة الأزمات التقليدية، بل بات مسارًا تصاعديًا مركبًا يعكس إعادة تشكيل تدريجية لمفاهيم الردع وحدود الاشتباك في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية حساسية. وفي ظل هذا المشهد، تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية العالمية، نظرًا لموقع الخليج الحيوي في أمن الطاقة واستقرار التجارة الدولية.
في هذا السياق، يتضح أن المشهد الإقليمي لم يعد قائمًا على صراع مباشر فحسب، بل على شبكة معقدة من الضغوط المتبادلة، تمتد من مضيق هرمز بوصفه شريانًا استراتيجيًا لحركة الطاقة العالمية، وصولًا إلى الداخل الإقليمي حيث تتقاطع الأدوات الأمنية مع التحركات غير المباشرة.
ما يجري اليوم لا يمكن وصفه بتصعيد تقليدي... بل هو تصعيد تدريجي مركّب يعاد من خلاله اختبار حدود الاستقرار الإقليمي.
في قلب هذه المعادلة، تتحرك إيران وفق نمط يجمع بين الضغط المباشر في المجال البحري، والتحركات غير المباشرة داخل بعض الساحات الإقليمية. فمن جهة، شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا في التوترات المرتبطة بحرية الملاحة في مضيق هرمز، عبر ممارسات ترفع مستوى المخاطر التشغيلية وتؤثر على انسيابية حركة السفن، بما ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية ويزيد من كلفة التأمين والنقل البحري.
ومن جهة أخرى، يتسع نطاق التحركات غير المباشرة، مع بروز تقارير وتحقيقات أمنية في عدد من دول المنطقة تشير إلى وجود شبكات وخلايا تعمل بأساليب سرية تستهدف التأثير على الاستقرار الداخلي، عبر التجنيد أو التمويل أو نشر أفكار متطرفة تستهدف النسيج المجتمعي.
هذه المقاربة تعكس نمطًا يقوم على توسيع المنطقة الرمادية، أي التحرك في المساحات التي تقع دون مستوى المواجهة العسكرية المباشرة، وفوق مستوى التهدئة السياسية، بما يسمح بإدارة الضغط دون الوصول إلى مواجهة شاملة. غير أن هذا النهج يبقى محفوفًا بمخاطر التصعيد غير المنضبط إذا ما تجاوز حدود السيطرة.
في المقابل، لم تتجه الولايات المتحدة إلى خيار المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها اعتمدت مقاربة تقوم على إعادة ضبط أدوات الضغط، من خلال تعزيز إجراءات الرقابة والتشديد على مسارات التهريب والتجارة المرتبطة بإيران، بما يمكن وصفه بأنه ضغط بحري واقتصادي تدريجي يهدف إلى تقليص هامش الحركة الإيرانية وإدخالها في معادلة استنزاف طويلة الأمد.
وتتزامن هذه التطورات مع مسار دبلوماسي لا يزال مفتوحًا، حيث يُتوقع أن تتجه جولة جديدة من المفاوضات إلى إسلام آباد، في محاولة لإبقاء قنوات التواصل قائمة. إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في تزامن المسار التفاوضي مع استمرار التحركات غير المباشرة، ما يضع علامات استفهام حول طبيعة إدارة التهدئة وحدود الالتزام بها.
وقد برز في هذا السياق عدد من التطورات الأمنية في دول مجلس التعاون، حيث أعلنت جهات مختصة عن تفكيك شبكات وتنظيمات تعمل بشكل سري، وتُتهم بمحاولات استهداف الاستقرار الداخلي عبر التجنيد أو جمع الأموال أو التواصل مع جهات خارجية. وهذه التطورات تعكس طبيعة التحديات الأمنية المعاصرة التي لم تعد تقليدية، بل باتت تعتمد على أدوات غير مباشرة تتداخل فيها الأبعاد الفكرية والأمنية.
وفي هذا الإطار، تؤكد المعطيات أن طبيعة التهديدات لم تعد تقتصر على المواجهة التقليدية، بل أصبحت ترتكز على محاولات التأثير في الداخل من خلال أدوات خفية، وهو ما يتطلب مستويات عالية من الجاهزية والاستباق الأمني.
في خضم هذا المشهد المركب، وبين الضغوط المتبادلة بين واشنطن وطهران، يبرز موقع دول مجلس التعاون الخليجي بوصفه موقعًا استراتيجيًا يقوم على معادلة دقيقة. فالدول الخليجية ليست طرفًا في هذا الصراع، ولم تنخرط في مساراته التصعيدية، لكنها في الوقت ذاته ليست خارج معادلة الأمن الإقليمي.
وقد رسّخت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة نهجًا قائمًا على الحياد الاستراتيجي المسؤول، الذي يجمع بين عدم الانخراط في الصراعات الإقليمية، وبين الحفاظ على أعلى مستويات الجاهزية الدفاعية والأمنية. ويعكس هذا النهج إدراكًا عميقًا لطبيعة التعقيدات الإقليمية، وحرصًا على تجنب الانزلاق إلى مسارات تصعيدية مفتوحة.
وفي الوقت نفسه، تمتلك دول مجلس التعاون قدرات دفاعية متقدمة ومنظومات أمنية متطورة، مكّنتها من تعزيز قدرتها على التعامل الاستباقي مع التهديدات، وهو ما يظهر في نجاحات متكررة في إحباط شبكات وأنشطة تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي.
إن المعادلة الخليجية اليوم تقوم على مبدأ واضح: عدم الانخراط في الصراع، مع امتلاك القدرة الكاملة على حماية الأمن والاستقرار الداخلي دون تهاون.
وبهذا، يتموضع الخليج كعنصر توازن أساسي في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، يجمع بين الاستقرار السياسي والجاهزية الأمنية، وبين ضبط النفس والقدرة على الردع عند الحاجة.
أما على المستوى الدولي، فيبرز الموقف الصيني بوصفه عاملًا إضافيًا في المشهد، حيث تواصل بكين اتباع سياسة تقوم على الحياد البراغماتي، عبر تجنب الانخراط المباشر في صراعات الشرق الأوسط، مع الحفاظ على مصالحها الاقتصادية المرتبطة باستقرار تدفقات الطاقة. ويعكس هذا الموقف إدراكًا صينيًا بأن تكلفة التدخل المباشر في مثل هذه الصراعات قد تفوق مكاسبه
في المحصلة، لم يعد السؤال المركزي يدور حول امتلاك أدوات القوة بقدر ما يدور حول القدرة على إدارة هذه القوة في بيئة شديدة الحساسية دون الانزلاق إلى مسارات مفتوحة. فالمشهد الإقليمي اليوم لم يعد يحتمل الحسابات التقليدية، بل يقوم على توازنات دقيقة بين الردع والاحتواء، وبين الضغط وضبط الإيقاع.
وبينما تستمر بعض الأطراف في اختبار حدود “المنطقة الرمادية”، وتواصل قوى دولية إعادة تشكيل أدوات الضغط وفق مصالحها الاستراتيجية، يبرز الخليج كعنصر استقرار لا يتعامل مع هذا المشهد من موقع ردّ الفعل، بل من موقع الوعي الاستباقي القائم على حماية الأمن ومنع انزلاق التوترات.
وهنا تتجلى القوة في معناها الأعمق: قوةٌ تُمسك بتوازن الإقليم قبل أن ينفلت، وتمنع الفوضى قبل أن تتشكل، لا قوةٌ تُعيد ترتيب الخراب بعد وقوعه.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي