د. تنيضب الفايدي
السعادة حلم كلّ إنسان يسعى إلى تحقيقه لنفسه، حيث يبحث ويحاول أن تكون السعادة نصيبه، ليعيش سعيداً بعيداً عن القلق والاضطراب وما شابه ذلك، فالقلق هو قاتل السعادة، وأحياناً ينهي حياة الإنسان، ويرتبط القلق بالصراعات التي يعاني منها الإنسان ارتباطاً وثيقاً، ويلعب وخز الضمير دوراً مهماً في إثارة ذلك القلق، كما ينشأ القلق نتيجة لشعور الإنسان بالتهديد الخارجي الواقعي أو غير الواقعي الذي ينتج عن تخيل الإنسان لذلك التهديد الموهوم، ومن أهم أسباب القلق التفكير في المستقبل بشكل مستمر والخوف منه، فكثيرٌ من الناس يسمم حياتهم من جراء الاهتمام البالغ في توفير ضمانات المستقبل، وهذا خطأ كبير فضمان المستقبل لن يأتي عن طريق القلق والمخاوف من المستقبل، بل يأتي من الجدّ والاجتهاد في الوقت الحاضر، فلن يستطيع أحد منا تغيير ما مضى، ولن يقدر على الإدراك بما يحدث في المستقبل، فلماذا الندم والقلق و التوتر و الاضطراب.
والحقيقة المجربة أن الخوف من المستقبل يشغل كثيرين من الذين يقضون سنوات طويلة من أعمارهم وهم يعيشون ذلك الشعور المؤلم، لكن حينما يصلون إلى المستقبل يكتشفون أن تلك المخاوف التي أزعجتهم طوال حياتهم في الماضي تبددت في الفضاء، ولم يقع منها شيء. ويكتشفون أيضاً أنهم أهدروا أجمل الأوقات، وأثمن اللحظات في مخاوف أسكنتهم غرف القلق المظلمة، وحرمتهم التمتع بمباهج الحياة.
ولو تصفح بطون التاريخ وتعلم من وقائع الأبطال لوجد أن التفكير السليم يفترق عن التفكير الأحمق في هذه النقطة، وهي أن الأول يعالج الأسباب والنتائج، ثم يضع خطة منطقية بعد دراسة الأسباب والنتائج، بينما الثاني يتسم بالتوتر وعدم الرؤية ويفضي إلى الانهيار العصبي وهو أول درجات الإخفاق والفشل .
يقول دايل كاريغي: من الحقائق المذهلة والثابتة معاً، أن أكثر من نصف أسرة المستشفيات يشغله أناس مرضى بالإرهاق العصبي الذي منشؤه القلق..
أفليس من الأجدر بهم لو كانوا يتمتعون بطلاقة الشمس والريح في شوارع مدنهم وقراهم..
لكنهم لم يعوا ولم يدركوا لسبب من الأسباب نصيحة السير وليم أوسلر : « عش في حدود يومك « فكان من جراء جهلهم هذا أن التجأوا إلى أسرة المستشفيات .
ويقول: نحن لا نملك تغيير الماضي ولا رسم المستقبل بالصورة التي نشاء، فلماذا نقتل أنفسنا حسرة على شيء لا نستطيع تغييره، أو نتحرق قلقاً من جراء شيء لا نضمن كيف سيتم؟ إن هذا لن يفيدنا إلا تحطيم أجسامنا وعقولنا، ولست أظن أن هذه تجارة رابحة.
لماذا لا نتعظ من قول الروائي الكبير « روبرت ستيفنسون» وهو :
يستطيع كل امرئ أن يقوم بالعبء الذي على كاهله مهما ثقل، وفي مقدوره أن ينجز عمل يوم واحد قبل أن تغيب الشمس، وبوسعه أن ينسى كل متاعبه مع حلول الظلام.. وهذا كل ما تبتغيه منا الحياة.
ثم يذكر قصة واقعية ترويها صاحبتها سيلدز وهي من ولاية متشيجان تقول:
فقدت زوجي عام 1937بعد مرض عضال اضطرني إلى أن أبيع كل ما نملك في سبيل علاجه، ولكن دون جدوى. لقد اختطفه الموت مخلفاً لي الفقر المدقع، والمستقبل المظلم، وكرب الحال، وتملكني اليأس حتى هممت بالإقدام على الانتحار. لكني لست أدري الآن ما الذي منعني أن أفعل، ووجدت بعد المأتم أنني مضطرة للعمل كي أسدد ثمن الخبز، فلجأت إلى مخدومي السابق الذي كنت أعمل عنده قبل الزواج. وقد رضي المستر روش أن يعيدني إلى عملي السابق، وهو بيع الكتب إلى المدارس الريفية بالعمولة.
ودبرت بعض المال دفعته كقسط أول في سيارة مستعملة أتنقل بها.
وتحسنت أحوالي المعيشية، لكن مشاعري وإحساسي بالحزن ظل كما هو، إذ لم يستطع العمل أن يزيل سوداويتي العظيمة.
وفي سنة 1938م زاد كربي، ففكرت مرة ثانية في الانتحار، لكني لم أكن متهورة الآن، لقد فكرت في حزن شقيقتي لموتي وفكرت أيضاً في أن المال اللازم للجنازة ليس متوفراً بين يدي، فابتعدت عن تلك الفكرة، ولست أنسى ذلك الأثر العميق الذي انطبع في قرارة نفسي حين قرأت مقالاً بعنوان ( ليس اليوم الجديد إلا حياة جديدة لقوم يعقلون).
لقد تغيرت نظرتي إلى الحياة بعد ذلك.
زايلني القلق، واستبدلت به شجاعة على الحياة، واستخفافاً بمصائبها. لقد صرت أقرب إلى المرأة التي تتحدى الصعاب كل يوم، دون النظر إلى ما يمكن أن تلقاه من صعاب في الغد. وملخص القول:
« صرت أعيش كل يوم على أنه يوم جديد وحياة جديدة».
يقول ستيفن ليكون : « ما أعجب الإنسان، هذا الطفل البشري !
إنه في صغره يتعجل الفتوة، وفي فتوته يتلهف إلى الشباب، فإذا غدا شاباً صار يتطلع إلى الزواج، حتى إذا ما تزوج صار يؤجل تمتعه بالحياة إلى أن يغدو شيخاً، لكنه حين يشيخ تراه ينظر إلى الوراء فيضحك من نفسه على ضياع عمره سدى.
وهو يندم لعجزه الآن في شيخوخته عن نيل الحياة التي كان يأملها من قبل. إنه دائماً يتطلع إلى الأمام، ويقلق على المستقبل. فلا يعيش وحين يفوته القطار ينكفئ نادماً على أنه لم يحسن اللحاق به في وقته».
وقصة أخرى عن القلق وعواقبه وكيف انتصر صاحبها على متاعبه جميعاً ولأدع الرجل يرويها بنفسه حيث يقول:
أنا إيفانس من ديترويت، كدت اقتل نفسي قلقاً قبل أن أهتدي إلى أن قيمة الحياة هي في أن يحياها المرء كل ساعة منها، فقد ولدت لأبوين فقيرين، ونشأت معدماً، فجعلت اكتسب رزقي من بيع الجرائد، ثم اشتغلت كاتباً عند بقال في محل حقير.
وتزوجت فكانت زوجتي كثيرة الجود والكرم!
لقد منحتني سبعة أطفال، كان على راتبي المتواضع أن يوفر لهم القوت والكساء وأجرة المنـزل .
ووقعنا في العجز مرة فمرة، ولكني لم أكن أجرؤ على الاستقالة من عملي والتحول إلى عمل جديد.
وأخيراً زاد الضيق بالعائلة، فقررت أن بقائي في محل البقالة لن يطعم الأطفال. وكنت قد وفرت 55 دولاراً، فاستقلت، وافتتحت لنفسي محلاً صغيراً.
وساعفني الحظ، واقبلت عليّ الأيام، فوسعت العمل. وانقضت السنون وأنا أرى متجري يتقدم تقدماً سريعاً، حتى غدا ربحي السنوي ما يربو على عشرين ألف دولار، لكن كنت أتعامل مع مصرف أودع فيه أموالي.
فأفلس ذلك المصرف، ووجدت نفسي مديناً بمبلغ 16 ألف دولار، وكنت قد أقرضت صديقاً لي مبلغاً من المال، لكنه أصيب بنكبة أيضاً.
ولم أدر كيف أتصرف. لقد هبطت عليّ مصائب السماء دفعة واحدة، واستولى على نفسي الهم، واستحوذ عليّ القلق، وهاجمتني الأمراض حتى غدوت عاجزاً عن المشي، فشملني الشعور بالراحة لقرب الموت.
تذكرت نشأتي البائسة، فوجدت في التذكار ما شجعني على أن أبدأ الحياة من جديد، وسرعان ما تماثلت للشفاء، هازئاً بقول الطبيب الذي نصحني أن أعد وصيتي، ولم تنقض خمسة شهور إلا وأنا في صحة حسنة، فعاودت العمل على نطاق ضيق، ومع أنني أكسب ثلاثين دولاراً في الأسبوع في الوقت الحاضر لا أكثر، فإنني لست نادماً على شيء مما فات، إنني قانع بحاضري، وغير قلق على مستقبلي، يكفيني أنني أعيش كل يوم لنفسه.
كل هذا بفضل حكمة توصلت إليها كعبرة من تقلب حياتي ذاتها وهي:
« لن أستطيع تغيير ما مضى، ولست الآن قادراً على أن أعلم ما سيجيء» فلماذا أندم أو أقلق!!
الخوف من الفشل والرعب الدائم حيال المستقبل والإحساس بأنك ربما لا تنجح، أكبر سبب للقلق، بل يؤثر على أداء الإنسان وتقدمه، وأحياناً يكون الوالدان متلهفين أعظم اللهفة على نجاح ولدهما، فيكون ذلك سبباً في إشاعة الرعب في نفس الطفل، إذ يصاب تقدير ذلك الطفل لنفسه بعطب وإضرار، ويشب ضعيف الهمة ناقص الشخصية، وقد استقر في دخيلة نفسه أنه لن يبلغ الدرجة المطلوبة منه أو المنشودة له.
وإذا حدث مثل ذلك فعلى الشخص الذي سبّب في إدخاله الخوف أن يزيل خوفه وقلقه ويثبط عزيمته ويعمل على أن تُبدد هذه الأوهام كلها بحيث يتخلص منها.
وعلى عكس ذلك من القلق في المستقبل تذكر دائماً ما عندك من النعم حالياً وهي لاتعد ولا تحصى، تجد السكون والراحة والسعادة في حياتك قال تعالى :
( وإن تعدّوا نعمة الله لاتحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) سورة إبراهيم الآية (34)، وقال في السورةِ التي بعدها:
( وإن تعدّوا نعمة الله لاتحصوها إن الله لغفور رحيم) سورة النحل الآية (18).
فعش حياة سعيدة بدون مخاوف ولاتعطي مجالاً ليدخل القلق في حياتك بالتفكير في المستقبل ويسمم حياتك السعيدة والجميلة.
المراجع:
دع القلق وابدأ الحياة، تأليف: دايل كرنيجي، كتاب كيف تتخلص من القلق؟ للدكتور/ عمرو حسن بدران، سيكولوجية المراهقة لـ: أحمد محمد الزعبي، مقومات السعادة للدكتور/ تنيضب الفايدي.