خالد بن عبدالرحمن الذييب
جاء قرار إيقاف القبول لبعض تخصصات العلوم الإنسانية في جامعة الملك سعود ليفتح جبهة عريضة من النقاش حول هوية التعليم ومستقبل الخريجين.
يرى البعض أن هذا التحول يعد بمثابة «جراحة ضرورية» لردم فجوة البطالة ومواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل الذي بات يتحدث لغة التقنية والابتكار، بينما يرى فريق من الوسط الثقافي أن في هذا القرار نوعاً من «الجحود» لتاريخ الجامعة الذي قام على أكتاف رواد العلوم الإنسانية، وتفريطاً في «القوة الناعمة» التي يشكلها الفكر والأدب.
إن هذا التوجه يضعنا أمام تساؤل حول دور المؤسسات الاستشارية العالمية التي قد تفتقر لعمق التجربة المحلية؛ إذ غالباً ما تقدم هذه المكاتب استشارات معلبة تعتمد على معايير الأداء الرقمية الجافة، متجاهلة أن تخصصات كالتاريخ واللغة والعلوم الإنسانية بشكل عام ليست مجرد أرقام في قوائم التوظيف، بل هي حائط الصد الأول عن الهوية والوعي الثقافي.
وبالنظر إلى قائمة الجامعات الخمسين الأفضل عالمياً، نجد أن التميز لم يأتِ بإلغاء العلوم الإنسانية، فجامعات مثل «ستانفورد» و»هارفارد» لم تغلق أبواب التاريخ والفلسفة، بل دمجتها في مختبرات البيانات والذكاء الاصطناعي، مؤمنة بأن «المهارة» وحدها لا تصنع قائداً.
التاريخ يخبرنا أن أعظم قادة العالم لم يتخرجوا من كليات الهندسة والبرمجة فحسب؛ فمن ونستون تشرشل المؤرخ الحائز على نوبل، إلى باراك أوباما وإيمانويل ماكرون أبناء الفلسفة والسياسة، وقبلهما رموز التنمية في وطننا كالدكتور غازي القصيبي والدكتور عبدالعزيز الخويطر، نجد أن سعة الأفق التي تمنحها العلوم الإنسانية كانت هي البوصلة في اتخاذ القرارات المصيرية.
إن التحدي الحقيقي أمام جامعة الملك سعود ليس في إيقاف القبول لتوفير الميزانيات أو رفع التصنيف، بل في ابتكار مسارات تدمج «أصالة المادة» بـ «حداثة الأدوات». إن المجتمع الذي يمتلك تقنيين بلا روح ثقافية هو مجتمع يفقد قدرته على التحليل النقدي وفهم السياق التاريخي.
أخيراً..
النجاح الحقيقي يكمن في القدرة على تقديم «أنسنة رقمية» تجعل خريج هذه التخصصات فاعلاً في عصر الذكاء الاصطناعي، لا مجرد رقم في سجلات الماضي..
ما بعد أخيراً..
الجامعات ليست مجرد «مزود خدمة» لسوق العمل، ولكنها مكان لبناء «الإنسان» وحماية ذاكرته التاريخية وتخريج أجيال تملك أدوات العصر في أيديها، وبوصلة القيم في عقولها.