سارة الشهري
في مفارقة تستحق أن تُرسم، يبدو أن الكاريكاتير، ذلك الفن الذي اعتاد السخرية من كل شيء، وجد نفسه أخيراً موضوعاً للسخرية. ليس لأنه فقد قدرته، بل لأن العالم من حوله تغيّر بسرعة لا ترحم. فجأة، لم يعد الرسام وحده من يختزل الواقع في صورة، بل صارت الخوارزميات تفعل الشيء نفسه وبكفاءة مزعجة.
لكن، هل هذا هو المشهد فعلاً؟
هل الكاريكاتير يطرق أبواب الذكاء الاصطناعي طالباً النجاة، أم أن القصة أعمق من ذلك بكثير؟
الكاريكاتير، في جوهره، لم يكن يوماً مجرد رسم ساخر. هو فن يعتمد على (لحظة الإدراك) تلك الشرارة التي تجعل القارئ يتوقف، يبتسم، ثم يعيد النظر. هذه اللحظة لا تُصنع بالمهارة التقنية وحدها، بل بخليط معقد من التجربة، والجرأة، والانحياز أحياناً.
الذكاء الاصطناعي، مهما تطوّر، يعمل بطريقة مختلفة تماماً. هو لا (يرى) الواقع، بل يعالجه. لا ينحاز، بل يوازن. لا يغضب، ولا يسخر، ولا يخاطر. هو، ببساطة، يحاول أن يكون مقبولًا.
وهنا تكمن المشكلة.
لأن الكاريكاتير الحقيقي لا يُفترض به أن يكون مقبولاً دائماً. بل على العكس، قوته في قدرته على إزعاجنا قليلاً، على وضع إصبعه في مكان غير مريح. هو فن يقتات على التوتر، على التناقض، على ما لا يُقال. فإذا دخلت الآلة إلى هذه المساحة، ماذا سيحدث؟
سنحصل على رسومات أنيقة، أفكارها (صحيحة)، لكنها بلا حافة. كأنك تقرأ نكتة تم اختبارها مسبقاً لتضمن ألا تُغضب أحداً. تضحك، ربما ثم تنساها فوراً. المفارقة أن الخطر الحقيقي لا يأتي من الذكاء الاصطناعي نفسه، بل من إغراءاته. السرعة، السهولة، والقدرة على الإنتاج بلا توقف. كل ذلك قد يدفع المؤسسات الإعلامية إلى تفضيل (الكاريكاتير الجاهز) على حساب الفكرة العميقة.
وهنا يبدأ التراجع، لا بسبب التكنولوجيا، بل بسبب الاختيار. ومع ذلك، من الظلم أن نرى المشهد بلون واحد. فكما غيّرت الأدوات السابقة طريقة العمل دون أن تقتل الفن، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول إلى أداة جديدة في يد الرسام. يساعده في التنفيذ، يوسّع خياله، وربما يحرّره من بعض القيود التقنية. لكن بشرط واحد: أن يبقى القرار الأخير إنسانياً، وأن تبقى (الفكرة) غير قابلة للأتمتة.
ونقول أخيراً، قد لا يكون الكاريكاتير هو من يطلب اللجوء، بل نحن.
نبحث عن شيء صادق في عالم يتقن التقليد. عن ضحكة لها معنى، لا مجرد رد فعل سريع.
الذكاء الاصطناعي سيستمر في الرسم، بلا شك. لكن الكاريكاتير الحقيقي سيبقى هناك، في مكان أصعب:
حيث لا تكفي المهارة، بل يلزم من يمتلك الفكرة ليقول شيئاً يستحق أن يُرسم؟