م. بدر بن ناصر الحمدان
مبادرة (دعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية)، التي أطلقها سمو وزير الثقافة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود في ملتقى القطاع الثقافي غير الربحي، والتي تهدف إلى تعزيز دور المجتمع في الحفاظ على الأصول التراثية وتأهيلها وتفعيلها، وتحويلها إلى روافد ثقافية واقتصادية تدعم الهوية العمرانية وتدعم تنمية المجتمعات المحلية، كامتدادٍ للشراكة بين هيئة التراث والمجتمع، تمثِّل تحولًا نوعيًا في منهجية تنظيم الجهود المجتمعية نحو استدامة دورة حياة المحافظة على أصول التراث العمراني، وتحديدًا في البلدات التراثية التي تمثِّل أحد أهم مكونات العمران السعودي بتاريخه الممتد لعقود من الزمن، إذ إن توجيه الدعم للمنظمات غير الربحية سيشجع على تأسيسها من قبل المجتمعات المحلية المبادِرة في ترميم بلداتهم على المستوى التنظيمي والقانوني والفني، وسوف تسهم في بناء قنوات عمل ممنهجة ومستدامة تضمن دورة حياة مكتملة لمبادرة الحفاظ، مرورًا بمراحل (الاستكشاف، التسجيل، التوثيق، الترميم، إعادة التأهيل، الإدارة، التشغيل، الاستثمار).
هذه المبادرة النوعية تبرهن على اهتمام الدولة بالتراث وتنظيمه وتنميته كاختصاص رئيس لوزارة الثقافة ممثلةً بهيئة التراث، وتأكيدًا على أن البلدات التراثية لم تكن تجمعات عمرانية طارئة على الخارطة الحضرية، بل عبَّرت، من خلال نشأتها ونموها عبر الزمن، عن رحلة الإنسان السعودي وتأثيره التنموي في محيطه المبني، وقدرته على تطويع بيئته ومكوناتها من أجل بناء مدن صالحة للعيش وقادرة على احتواء أنشطته الحياتية بمختلف صورها وأشكالها، وتمكينه من البقاء والتعايش على الرغم من الظروف البيئية وعدم كفاية الموارد الطبيعية، وظهرت كامتدادٍ لإرث وتراث ثقافي إنساني محلي مادي وغير مادي، إذ لطالما كانت هذه البلدات المكان الأكثر احتواءً لذاكرة الإنسان وحياته على الأرض.
التراث العمراني السعودي ذاكرة المكان التي حفظت تاريخ البناء في حقبة مضت، ولا تزال شواهدها حاضرة على هيئة أصول تراث ثقافي فريد، يمكن تعريفه بأنه كل ما شيده الإنسان من مدن، وقرى، وأحياء، ومبانٍ، مع ما تتضمنه من فراغات، ومنشآت، وقطع لها قيمة عمرانية، أو تاريخية، أو علمية، أو ثقافية، أو وطنية. ويتمثل ذلك في مدن عتيقة، وقرى وبلدات تراثية، وأبنية وقصور تاريخية، وقلاع وحصون، ومواقع أثرية منتشرة في كافة مناطق المملكة، تتمايز في مفرداتها وعناصرها المعمارية والعمرانية نظير اختلاف خصائصها الطبيعية والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية التي ساهمت في تشكيل العمران السعودي على مرّ التاريخ. وتمثل إدارة التراث الثقافي الحضري في المملكة المصدر الرئيس لتغذية الجهود المشتركة في المحافظة على هوية المدن السعودية وتأصيل شخصيتها المحلية.
تشير التقديرات إلى أن ما بين 60% إلى 80% من المباني التاريخية حول العالم مملوكة ملكية خاصة (أفراد، أسر، قطاع خاص، مؤسسات ثقافية)، ففي أوروبا تتراوح نسبة الملكيات الخاصة بين 60% - 80%. وعلى سبيل المثال، في بريطانيا 75% من المباني المصنفة تاريخيًا مملوكة ملكية خاصة، وفي فرنسا 50% إلى 60% من المعالم التاريخية المصنفة مملوكة لأفراد، بينما في ألمانيا والنمسا أكثر من ثلثي المباني التاريخية مملوكة للقطاع الخاص. وفي أمريكا الشمالية تتراوح النسبة بين 60% - 70%؛ فمثلًا في الولايات المتحدة أكثر من 60% من العقارات المُدرجة في السجل الوطني للمباني التاريخية مملوكة ملكية خاصة. وتُقدَّر ملكية القطاع الخاص للمباني التاريخية في العديد من المدن العربية التقليدية (مثل جدة، القاهرة، فاس، صنعاء) بنسبة 70% - 90%. وفي تفاوتٍ آخر، فإن نسبة الملكيات الخاصة للمباني التاريخية في اليابان والهند والصين تقع في نطاق 50% - 70%.
هذه المؤشرات -وإن كانت متغيرةً بتغير حالة الأصول الثقافية- تضع الإدارة الحضرية للمدن في مواجهة تحديات تنظيمية وقانونية وعمرانية حقلية في غاية التعقيد، خاصة على مستويات: (الحماية والحفاظ، الملكية، التمويل، الترميم وإعادة التأهيل، التشغيل، الإدارة، الرقابة)، كون هذه المباني والمواقع ذات القيمة الثقافية تُشكّل الجزء الأكبر من تكوين التركيبة المعمارية والعمرانية للحيزات الثقافية، مع حتمية التعامل معها وفق سياسات فاعلة تضمن حمايتها والمحافظة عليها، وتعزيز شراكتها في اقتصاديات هذه المدن، إضافةً إلى دورها الرئيس في حفظ الهوية المحلية وما يرتبط بها من ثقافة وتراث مادي وغير مادي.
تهدف هذه الجهود إلى تحقيق التوازن بين حقوق الملاك وحائزي الأصول التراثية من جهة، وحمايتها والمحافظة عليها من جهة أخرى. ومن أهم هذه المبادئ: (تسجيل وتصنيف هذه الأملاك بهدف حمايتها، تقييد التصرفات التي قد تُخلّ بعناصرها المعمارية أو التاريخية بموجب أنظمة الحماية وقوانينها، تقديم الدعم المالي والتنظيمي والفني لتشجيع الملاك على الترميم، الشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المحلي بهدف تشغيل المباني واستثمارها وتوظيفها لتحقيق استدامة تنميتها من خلال تشجيع إقامة المشروعات، تحويل الملكية إلى جهات وقفية أو مؤسساتية مختصة بالحفاظ، أو الجمعيات غير الربحية أو المهنية ذات العلاقة).
في المملكة العربية السعودية، 85% من ملكية أصول التراث العمراني هي بحوزة الأفراد والمجتمعات المحلية، لذلك فإن مبادرة دعم ملاك مواقع التراث العمراني لإعادة ترميم وتأهيل واستثمار مواقعهم التراثية تهدف إلى:
- تقديم الدعم الفني وفق أفضل الممارسات لتأصيل التراث لملاك المباني.
- تحفيز الملاك للقيام بأعمال الترميم من خلال تقديم الدعم الفني والمالي لتمكينهم من استثمارها.
- المحافظة على المواقع والمباني التراثية من الاندثار.
- استدامة التنمية من خلال تشجيع إقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
- تشجيع البرامج السياحية إلى هذه المباني التراثية.
- توفير فرص عمل جديدة للمجتمع المحلي.
حيث نص نظام الآثار والتراث العمراني على أن الشخص الذي يقع في ملكيته، أو تحت سلطته، أثرٌ أو موقع تراث عمراني مسجل في سجل الآثار أو التراث العمراني؛ مُلزَمٌ بالمحافظة عليه. ولا يجوز استثمار الأثر أو موقع التراث العمراني، أو تشغيله، إلا بترخيص، كما يلتزم كل مستخدم، أو مشغل، أو مستثمر للأثر أو موقع التراث العمراني بصيانته وترميمه واستعماله وفقًا للوائح، كما نصّ على أن يكون تصنيف المواقع التاريخية والتراثية على النحو الآتي: (الفئة (أ): المواقع ذات الأهمية العالية، الفئة (ب): المواقع ذات الأهمية المتوسطة، الفئة (ج): المواقع ذات الأهمية القليلة). ويترتب على تصنيف مبنى أو موقع تراث عمراني التزام الدولة بحمايته والمحافظة عليه وتطويره إذا كان ملكًا لها، والمشاركة في جهود حمايته والمحافظة عليه وتطويره إذا كان ملكًا للقطاع الخاص، ونزع ملكيته لمصلحة الدولة إذا كانت ظروف حمايته غير متوافرة، وضرورة صيانته وترميمه وتشغيله بما يتناسب مع طبيعته، وذلك دون تغيير في أي عنصر من عناصره إلا بالقدر اللازم لعملية التشغيل، مع منع إحداث أي تغيير في منطقة الحماية يؤدي إلى تعرضه لأضرار، أو تشويه، أو إعاقة تشغيله أو استعماله.