د. علي بن عالي السعدوني
تتسع اللغة -حين تُنزَع من سياقها العلمي الدقيق- لألوان من المجاز لا تُحمد عواقبها؛ لأن اللفظ إذا ارتفع عن حدِّه الاصطلاحي إلى فضاء الانفعال، صار أقرب إلى التهويل منه إلى التوصيف، وفي هذا تبدأ الألقاب في التحول من أدوات تعريف إلى أدوات تضخيم، ومن إشارات علمية إلى شعارات وجدانية تُقال أكثر مما تُفهم، ومن هذا الباب يتكاثر في الخطاب الثقافي إطلاقُ عبارات من قبيل (شيخ البلاغيين) أو (علامة العصر) على أعلام معاصرين، ومنهم محمد أبو موسى، وهو مؤلف وباحث جليل لا يُنازع في رسوخ قدمه، ولا في عمق نظره، ولا في امتداده المتين في مدرسة محمود شاكر، غير أن الإشكال لا يقع في شخصه، بل في طبيعة هذا اللقب حين يُطلق، وفي ما يوحي به من دلالات تتجاوز حقيقة الإنجاز العلمي إلى إيحاءٍ ضمنيٍّ بأن ثمة قطيعةً معرفية قد حدثت، أو فتحًا لم يُسبق إليه.
إن تاريخ البلاغة العربية، الممتد من عبد القاهر الجرجاني إلى من تلاه من الشراح والمجددين، لم يكن تاريخ قفزاتٍ منفصلة بقدر ما كان تاريخ تراكمٍ دقيق، يُبنى فيه اللاحق على السابق، ويُعاد فيه اكتشاف القديم بعيون جديدة، دون ادعاء الانفصال عنه؛ ولذلك فإن إطلاق لقبٍ يوحي بالتفرّد المطلق أو السيادة النهائية يُربك هذا النسق التراكمي؛ لأنه يختزل الجهد العلمي في صورة (ذروة) متخيَّلة، كأن ما قبلها تمهيدٌ لها، وما بعدها عيالٌ عليها، وهو تصورٌ لا ينسجم مع طبيعة العلوم الإنسانية التي لا تُختم بخاتم، ولا تُختصر في اسم. ولعل الأخطر من ذلك أن هذا النوع من الألقاب يغيّر طريقة تلقّي القارئ؛ فبدل أن يقرأ النص بعين الفحص والموازنة، يقرؤه بعين التسليم والإعجاب المسبق، فيتحول العالم -من حيث لا يشعر- إلى (مرجعية مغلقة)، لا تُناقَش أطروحاته بوصفها اجتهادات قابلة للنقد، بل تُستقبل كما تُستقبل المسلّمات. وفي هذا تفقد البلاغة روحها الأولى التي قامت على النظر، والمقارنة، واستنباط العلاقات الخفية في النظم، لا على صناعة الهالات حول الأسماء.
وليس المقصود بهذا كلّه إنكار الألقاب من حيث هي، ولا تجريد العلماء من التقدير، بل ردّ الأمر إلى نصابه؛ فالعالم الكبير يُعرف بعمله، لا بلقبه، وبقدرته على إحياء التراث في وعي معاصريه، لا بادعاء أنه أتى بما لم يأت به أحد. وإذا كان لمحمد أبو موسى فضلٌ بيّن، فهو في تعميق قراءة النص القرآني والبياني، وفي وصل الدرس البلاغي بروحه الأولى، لا في تأسيس علمٍ جديد خارج هذا الامتداد.
إننا حين نُكثر من هذه الأوصاف المبالغ فيها، لا نرفع العالم بقدر ما نُضعف معيار العلم نفسه؛ لأن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى تضخيم لغوي لتثبت، بل يكفيها أن تُقرأ في صمتٍ عارف، وأن تُختبر في ميزان النقد، حيث يبقى من العمل ما يستحق البقاء، ويسقط ما عداه دون ضجيج.