أحمد آدم
في كواليس الحرب المتسارعة ضد إيران، لم تكن المدافع تصيب أهدافها في طهران فحسب، بل كانت ترتد لتصيب «الأنا» المتضخمة لزعيمين راهنا على مجد شخصي فاصطدما بواقع مغاير. وبينما كان نتنياهو يرى في الحرب «درعاً للحصانة»، كان ترامب يبحث عن «طوق نجاة» اقتصادي. في هذا التقرير، نرصد كيف تحول الميدان من ساحة للانتصار إلى فخ أكل كبرياء الزعامة.
فلسفة الزعامة: صراع «الأنا» والهيمنة
في العلوم السياسية والتاريخ، غالباً ما يُقال إن «القمة لا تتسع لاثنين». عندما يمتلك القائد «كاريزما الزعامة» لا مجرد «سلطة الرئاسة»، فإنه يميل لفرض رؤيته الخاصة وصناعة مجد شخصي وتاريخي، مما يجعل الاصطدام حتمياً حتى لو كانت المصالح القومية متطابقة، لأن «الأنا» السياسية لكل منهما تبحث عن الهيمنة. وقبل أن نخوض فى هذه النقطة. لابد فى البداية وأن نشير إلى أن هناك فارقا ضخما بين الزعيم والرئيس: الزعيم: هو من يصنع الأيديولوجيا، ويقود التحولات الكبرى، ويرتبط اسم المشروع باسمه وهو «المهندس» الذي يمتلك الجرأة لفرض مشروعاته وتحدي عوائقها. الرئيس: مجرد مدير للمؤسسات، ينفذ السياسات المرسومة سلفاً، ولا يمتلك الكاريزما أو القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية منفرداً. وللقارئ بعد ذلك وطبقا لما رآه من مواقف أن يحدد من هو الزعيم بين ترامب ونتنياهو. الا أن كليهما يمتلك كبرياء ونرجسية وأنا مرتفعة.
مثال من التاريخ: نابليون وألكسندر
ــ الإمبراطور نابليون بونابرت والقيصر ألكسندر الأول: التقيا في عام 1807، على بساط في نهر نيمان (معاهدة تيلسيت)، وساد بينهما إعجاب متبادل لدرجة أن نابليون قال: «لو كان ألكسندر امرأة، لربما جعلته عشيقتي». لكن هذا الانبهار لم يمنع نابليون من محاولة إخضاع روسيا، لأن زعامة أوروبا لا تقبل القسمة على اثنين. لقد كانا أقوى رجلين في أوروبا وتقاسما القارة حرفياً. نقطة التقاطع والخلاف: كلاهما كان يملك شخصية توسعية وكاريزما طاغية. نابليون أراد «أوروبا» القارة تحت حكمه، وألكسندر لم يتحمل أن يكون مجرد «شريك أصغر» في ظل عظمة نابليون. هذا الطموح الشخصي والرفض للتواري خلف كاريزما الآخر أدى إلى انهيار التحالف، وانتهى الأمر بغزو نابليون الشهير لروسيا عام 1812، وهي المعركة التي كانت بداية النهاية لإمبراطوريته.
والخلاصة أن الزعامة تبحث عن «الخلود»، والخلود لا يقبل الشراكة؛ لذا غالباً ما ينتهي شهر العسل بين الزعماء الكاريزماتيين بمجرد أن تتعارض «الرؤية الذاتية» لكل منهما مع الآخر.
من البداية وتباين واضح فى الرؤى
بينما يركز نتنياهو على هدف «تغيير النظام» في طهران وتهيئة الظروف للشعب الإيراني للتخلص من الاستبداد، يصرح مسؤولون في إدارة ترامب (مثل بيت هيغسيث) بأن العملية ليست حرباً لتغيير النظام، بل لتدمير القدرات النووية والصاروخية فقط.
تصريحات ترامب: ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات لافتة لأكسيوس تشير إلى أن الحرب مع إيران انتهت تقريبًا أو شارفت على الانتهاء، معتبرًا أن الأهداف العسكرية الرئيسة قد تحققت بتدمير معظم القدرات الإستراتيجية الإيرانية. وبينما يسوق ترامب للجمهور أن الحرب حققت غاياتها، يرى الخبراء أنها قد تكون بداية لمرحلة الضغط السياسي للتفاوض من موقع قوة، لكن خطر التصعيد يظل قائمًا طالما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة أو استسلام رسمي من الجانب الإيراني.
مسار التفاوض منذ البداية: كانت التقارير منذ الأسبوع الأول للحرب تشير إلى وجود محاولات للتواصل وفتح قنوات تفاوضية لإنهاء النزاع العسكري القائم، لكنها كانت تتسم بالغموض، فقد أفادت تقارير صحفية (مثل «نيويورك تايمز» في 4 مارس 2026) بأن عناصر من الاستخبارات الإيرانية أبدوا انفتاحاً للتحدث مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) عبر وسيط (دولة ثالثة) لمناقشة سبل إنهاء الحرب. كما أن هناك «جس نبض» وقنوات خلفية يحركها وسطاء (مثل تركيا وروسيا ودول أوروبية)، لكن لم يكن يوجد إعلان رسمي عن مفاوضات مباشرة أو اتفاق وشيك، في ظل استمرار العمليات العسكرية المتبادلة. وفي ظل ميل ترامب لإنهاء العمليات بسرعة قدرها بفترة من 3 إلى 4 أسابيع لتجنب استنزاف الموارد وضغط أسعار النفط.
تباين الرؤى: أكدت المصادر المقربة من مكتب نتنياهو أن إسرائيل تعتزم الاستمرار في الضربات لأطول فترة ممكنة لإلحاق أقصى ضرر ممكن بإيران. وأشارت التقارير الواردة في مارس 2026 إلى وجود تباين واضح في الرؤى بين ترامب ونتنياهو حول توقيت إنهاء الحرب، وهو ما خلق حالة من التوتر الصامت والخلاف حول الأهداف النهائية فبينما صرح ترامب في 11 مارس بأن الأهداف «تحققت تقريبًا» ولم يعد هناك ما يمكن قصفه، أكد نتنياهو في المقابل أن «المهمة لم تنتهِ بعد». كان نتنياهو، بحسب مراقبين، يخوض حرباً على جبهتين: جبهة الميدان، وجبهة (تروث سوشيال)؛ حيث يخشى أن يستيقظ على (تدوينة) لترامب تعلن نهاية العمليات من طرف واحد، مما يجهض مطالبه الأمنية في مهدها. ورغم محاولات ترامب لترميم هذا الصدع بتصريحه لـ(تايمز أوف إسرائيل) بأن القرار سيكون مشتركاً، إلا أن الإحباط الإسرائيلي ظل كأنه (نار تحت الرماد)؛ فنتنياهو يرى في هذه اللحظة فرصة تاريخية لـ(تحطيم عظام) النظام الإيراني، بينما يراها ترامب مجرد جولة عسكرية ناجحة يجب غلق ملفها والالتفات لتكاليفها.
لم يصل الأمر إلى غضب علني مدمر للعلاقة بين الطرفين، لكن كان هناك إحباط إسرائيلي من رغبة ترامب في إعلان نهاية مبكرة للعمليات، في حين يرى نتنياهو أنها فرصة تاريخية «لتحطيم عظام» النظام الإيراني بشكل نهائي ولا يجب إيقافها الآن.
أهداف فشل الزعماء فى تحقيقها
* الأهداف الرئيسة: التي أعلنها ترامب ومسؤولو دفاعه لتوجيههم ضربة لإيران تمثلت في (تدمير القدرات النووية الايرانية - تدمير الترسانة الصاروخية- شل القدرات البحرية - قطع الدعم عن الوكلاء - تغيير النظام - إضعاف القوات الأمنية الداخلية). وهذه الأهداف لم تتحقق وعلى الرغم من مضى شهرين على بدء الحرب.
ــ فما زالت القدرات الصاروخية لإيران موجودة (بنسبة 50 % منها) ولم نسمع عن تأثر مدن الصواريخ الإيرانية بالهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
ــ قامت أمريكا بتدمير أغلب القدرات البحرية الإيرانية ومع ذلك لم تستطع تامين السفن المارة بمضيق هرمز.
ــ عندما بدأ الاقتتال العنيف بين حزب الله وإسرائيل فوجئنا بأن الحزب ما زال يمتلك قدرات عسكرية قوية وكأنه لم يتأثر بتعرضه لقصف متوالٍ منذ عامين. وهو ما يشير لعدم وجود نية لقطع إيران دعمها لوكلائها بالمنطقة.
ــ الضربات الأولية للحرب استهدفت القيادات العليا (بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي) بهدف إضعاف قبضة النظام وتحقيق تغيير في السلطة. وعلى الرغم من اغتيال المرشد وكبار القادة (رأس الهرم) استمرت العمليات العسكرية تدار بكفاءة عالية ولم تتأثر البلاد على الاطلاق بحسب ما رأينا.
ــ استهدفت الضربات مقار الحرس الثوري وقوات التعبئة (البسيج) لتقليل قدرة النظام على قمع المعارضة الداخلية. إلا أننا لم نرَ أي تحركات للمعارضة كما أن الإدارة الأمريكية تناست أن الباسيج هي ميليشيا شبه عسكرية إيرانية تتألف من متطوعين وتتبع مباشرة للحرس الثوري الإيراني. وكلمة باسيج بالفارسية تعني حرفياً التعبئة ورغم امتلاك قوات الباسيج فروعاً في معظم المدن والبلدات، والجامعات، والمساجد، والمؤسسات الحكومية. إلا أن أغلب هذه القوات لا تتواجد فى مقراتها بل هي ذائبة داخل طبقات المجتمع الإيراني ونسيجة ولا تخرج إلا بناء على استدعاءات.
ومع اقتراب مدافع الحرب مع إيران من الصمت دون تحقيق الأهداف الكبرى التي رُوج لها، تبرز معضلة (توزيع الفشل). فالقائد (الزعيم) الذي رسمناه سابقاً بـ(أنا) متضخمة، لا يمكنه الاعتراف بالانكسار؛ لذا سيتحول التحالف الإستراتيجي إلى (ساحة للمظلومية السياسية). سيتهم ترامب حليفه بالجر إلى مستنقع الاستنزاف، بينما سيتمسك نتنياهو بأن التراجع الأمريكي في اللحظات الأخيرة هو ما حرم التاريخ من لحظة سقوط طهران، ليصبح (الآخر) هو كبش الفداء المفضل لكبرياء جريح لا يقبل القسمة على اثنين.
إحراج الحرب: وكبرياء الزعامة
ــ حرب لم يخطط لها الأمريكان: الواقع يشير إلى أن هذه الحرب سارت بصورة غير مخطط لها بدقة على ما بدا لنا. من خلال تحليلنا للأهداف التي قامت بناء عليها الحرب وكذا الأهداف التي ظهرت بعد تطور العمليات العسكرية. فأين خبراء التخطيط في البنتاغون والمخابرات الأمريكية. ومراكز الأبحاث العسكرية كانت تصرخ عبر تقاريرها بأن المخطط للحرب لم يتم دراسته لوجستياً. على ما يبدو أن إدارة ترامب تعتمد بشكل أكبر على الدائرة الضيقة الموالين له بدلاً من المؤسسات التقليدية مثل البنتاجون أو المخابرات الأمريكية؟. كما أن تعيين ترامب لشخصيات صدامية في مناصب حيوية، أدى إلى تهميش الخبراء. كما يبدو أنه تُرفع لترامب تقارير مخابراتية تجميلية تتماشى مع رغباته؟ وهو ما يسمى في العلم الإستراتيجي بـ«الانحياز التأكيدي»؛ أي رؤية ما يريد رؤيته فقط. كما بدا أيضاً أن ترامب دخل الحرب ولا يمتلك سيناريو لكيفية خروجه منها. وعلى ما بدا للجميع أن نتنياهو تحول إلى «مغناطيس توريط « يجذب ترامب لمستنقع سيقضي على مستقبله السياسي.
ــ الشراك المكلفة: التقارير وتداولات إخبارية حديثة (مارس 2026) أظهرت أن إيران استوردت مئات الآلاف من النماذج العسكرية الخداعية القابلة للنفخ من الصين. وتشير التقارير إلى أن الصفقة شملت أكثر من 900 ألف نموذج من «الشراك الخداعية» التي تشمل دبابات، وحاملات صواريخ، وصواريخ باليستية مع منصات إطلاقها، وجميعها نماذج بلاستيكية أو مطاطية قابلة للنفخ. ولا تقتصر هذه النماذج على الشكل الخارجي فقط، بل تشير بعض المصادر إلى أنها مزودة بمواد تضلل الرادارات أو أجهزة تحاكي البصمة الحرارية للمعدات الحقيقية لتظهر كأهداف واقعية تماماً أمام الأجهزة التقنية. واستخدام هذه النماذج كأهداف وهمية لتضليل أنظمة الاستطلاع الجوي التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل. والهدف هو استنزاف مخزون الصواريخ الدقيقة باهظة الثمن (التي قد تصل تكلفتها لملايين الدولارات) عبر توجيهها لضرب بالونات رخيصة. تقارير إعلامية عبرية ودفاعية أكدت لجوء إيران لهذه الخطة كجزء من «خداع إستراتيجي».
الغضب من التكلفة: انتقدت فئات واسعة من الأمريكيين إنفاق مليارات الدولارات على صواريخ دقيقة لتدمير «بالونات» ومجسمات رخيصة، خاصة مع طلب وزارة الدفاع ميزانية إضافية بقيمة 200 مليار دولار لتغطية تكاليف العمليات. كما سادت حالة من عدم الثقة في تقارير الإدارة حول «نجاح العمليات»، حيث اعتبر الكثيرون أن الخداع الإيراني كشف عن فجوات استخباراتية كبيرة تذكر بـ»إخفاقات سابقة» في تقدير قدرات الخصم. تسبب فيديو «المروحية المنفوخة» في جدل كبير داخل المجتمع الإسرائيلي؛ حيث تساءل المحللون والجمهور عما إذا كانت الضربات التي يعلن عنها الجيش تحقق نتائج حقيقية أم أنها تضرب أهدافاً وهمية.
لم تكن (خديعة البالونات) مجرد استنزاف مادي للصواريخ، بل كانت استنزافاً أعمق لـ(أنا) القائدين؛ فإهانة (الكبرياء) هنا كانت أشد إيلاماً من خسارة المعركة، حيث وجد الزعيمان أنفسهما في مواجهة حقيقة مرة: أن غرور القوة قد تم استدراجه ليضرب أهدافاً من هواء، مما وضع نرجسية (الزعيم) و(المهندس) في مأزق تاريخي أمام شعوبهما.
** **
- خبير مصرفي واقتصادي