د. محمد بن إبراهيم الملحم
للإجابة عن سؤال: كيف يرتقي التعليم؟
كتبت حول اقتراح إنشاء «مجلس أعلى للتعليم» حلا لمشكلة فردية القرار في شخص المسئول، فهذا المجلس يتولى شؤون الحوكمة والسياسات التعليمية والمناهج، فيما تنصرف الوزارة إلى التنفيذ والتشغيل. ولما كانت هناك تحفظات حول بعض الجوانب (وهو طبيعي لأن الحكم على شيء إنما يكون فرعا عن تصوره)، فقد بدأت في مقالتي السالفة تقديم تصور يستعرض مشهد هذا المجلس وكيفية تحقيقه أهدافه الطموحة التي تؤدي إلى غايته الكبرى في ارتقاء التعليم في بلادنا الغالية فأكدت على أهمية معايير اختيار أعضائه (حيث جودة القرار من جودة صانعيه) وتجديد جزء منهم دوريا (كي لا تتكلس الأفكار) وتمثيل الوزارة فيهم (كي يتماهى التصميم مع التنفيذ) وضبط منهجية التصويت (لموازنة المسئولية) وعلانية نشر القرارات لتأسيس مبدأ الشفافية وتكوين وحدة أبحاث وقياس (كأساس علمي لدعم القرار). وأقدم اليوم مزيدا من التصورات المهمة لتأسيس منهجية لعمل المجلس تقوم على الجودة والكفاءة منذ اليوم الأول، وهو ما تقتضيه فلسفة الجودة النوعية الشاملة TQM عند فيليب كروسبي Philip Crosby والتي تقول «القيام بالعمل الصحيح من أول مرة» Do it right the first time (DIRFT) ويمكن أن نضيف لهذه المقولة «وكل مرة» ليستمر النجاح من خلال تكرار أسس نجاح «أول مرة»
ومن الملامح المهم إضافتها هو أن لا يُعمَّم المجلس أي تنظيم جديد قبل اختباره ميدانياً، فيقوم هو بتقييم ذلك التطبيق المبدئي من خلال ذراعه البحثية التي أشرنا إليها (وحدة البحث والقياس)) بل حتى بعد التطبيق الواسع يتم أيضا قياس ذلك التطبيق ونشر نتائجه، وتأسيس مثل هذه الممارسة في منهج المجلس وجعلها واجبا من واجباته (خاصة نشر النتائج) سيحمله ثقل مسئولية قراراته كما أنه سيخلق في نسيج عمله نوعا من الترابط الوثيق بين قراراته وتوجهاته بسبب معايشته المستمرة لنتائج التنفيذ وما يتفاعل معه من متغيرات تظهرها له دراساته التقييمية المستمرة، وأعتقد شخصيا أن تجاوز هذا الجانب تحديدا، أقصد عمليات البحث والقياس سواء البحث ما قبل القرار لجمع المعلومات الصحيحة اللازمة لتأمل مقترحات القرار في صيغتها الأولية أو البحث والقياس في مرحلة ما بعد القرار للتأكد من الصحة والجودة وفهم طريقة تفاعله مع متغيرات التنفيذ، سوف يؤدي (هذا التجاوز) إلى كارثة التنظير التي طالما عانى منها تعليمنا لعقود عدة.
ويجب أن نقول أيضا «المعلم أولاً» فكل حوكمة مهما بلغت من النضج والكفاءة ستظل قاصرة ما لم يكن المعلم في قلب اهتمامها ومحور حركتها، ومثله أيضا «المستفيد الأخير» أي الطالب لذلك فإنه من الواجب أن يضم المجلس (أو يستشير بانتظام) ممثلين عن المعلمين الممارسين في الميدان و الطلاب وأولياء الأمور، وذلك لضمان أن الحوكمة ليست «برجاً عاجياً» بل هي تعبير عن احتياجات حقيقية، وينبغي أن ينطلق اختيار هؤلاء الأعضاء من جدارتهم وليس من قيمتهم الاجتماعية أو علاقتهم الجيدة، ونقصد بالجدارة قدرتهم على فهم الواقع التعليمي وتمكنهم من تقديم المقترحات والرؤى الناضجة وقدرتهم على مناقشة الأفكار المطروحة وعرضها على منطق الواقع.
ومن التوصيات المهمة عدم تكبير حجم المجلس بشكل مبالغ فيه بهدف تمثيل المجتمع فكثرة التمثيل غير مفيد جدا بقدر فائدة تمثيل التخصصات والخبرات، والقاعدة العامة لمثل هذه المجالس أن تضخم أعدادها يعني انخفاض كفاءة القرار. ثم نقول إن الاستقلال المالي والإداري هو أساس مهم لهذا المجلس، كما نؤكد أن ربط الحوكمة بـ «رؤية الدولة» ضمن استراتيجية وطنية ممتدة (مثلاً لمدة 10-15 سنة) هو أساس في نموذج مثل هذا المجلس، فلا تتغير الخطط بتغير أعضاء المجلس أو المسؤولين.
ومع أن التداول والشورى مزية لا شك فيها في الأحوال الاعتيادية، إلا أن المجالس قد تغدو عبئاً حين تستدعي الأزمات استجابة فورية، ونتذكر في هذا المقام جائحة كوفيد حين احتاجت المنظومات التعليمية في كل العالم إلى قرارات في غضون أيام لا أشهر. والحل هنا ليس التخلي عن النموذج بل تضمين لائحته بروتوكول طوارئ واضحاً، يمنح لجنة تنفيذية صغيرة صلاحيات مؤقتة ومحددة في أوقات الأزمات، على أن يُعرض كل ما تتخذه من قرارات على المجلس كاملاً في أقرب وقت للمصادقة أو التعديل، والأفضل من ذلك هو أن يتم منح المجلس في نظامه الأساسي صلاحية انعقاد كامل وقت الأزمات.
أخيرا ليس المطلوب هو مجلس يُضاف إلى قائمة الهيئات والمجالس التي تكتظ بها الخرائط الإدارية، بل المطلوب مجلس يمتلك روحاً مؤسسية حقيقية تجعله أكبر من أفراده وأبقى من أي مسؤول، كما حاول هذا العرض أن يقدم. وحين تتوفر له الصلاحيات الواضحة، والأعضاء المؤهلون، والارتباط الحقيقي بالميدان، وثقافة الشفافية والمساءلة، فإن التعليم سيمضي في مسار تراكمي صاعد بعيداً عن تقلبات الآراء وتبدّل الأولويات التي أرهقت صحة التعليم.
** **
- مدير عام تعليم سابقا