د. طلال الحربي
في الثالث من مايو، يُرفع الستار في مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات بالرياض عن النسخة الثالثة من مؤتمر مبادرة القدرات البشرية، الذي ينظمه برنامج تنمية القدرات البشرية تحت رعاية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، رئيس لجنة البرنامج. وليس اختيار شعار “TheHumanCode#” عابراً، إذ يحمل في طياته رسالة عميقة مفادها أن الإنسان هو الشفرة الأصلية لأي تقدم حقيقي، وأن كل ما تبنيه الأمم من بنية تحتية وتكنولوجيا واقتصاد لا يعدو كونه انعكاساً لما استثمرته في عقول مواطنيها وقدراتهم.
لمن يتابع مسيرة التنمية البشرية في المملكة على مدى أكثر من عقد، يتضح جلياً أن هذا المؤتمر ليس حدثاً معزولاً، بل هو تتويج لمنهجية مؤسسية متراكمة بدأت بتشخيص الواقع، ثم انتقلت إلى رسم الاستراتيجية، وها هي اليوم تُترجم إلى منصة عالمية للحوار والشراكة. منذ إطلاق البرنامج عام ألفين وواحد وعشرين، جرى العمل على بناء منظومة متكاملة تمتد من رياض الأطفال وصولاً إلى التعلم المستمر طوال مراحل العمر، وهي رؤية لا تكتفي بإصلاح مرحلة واحدة من منظومة التعليم، بل تعيد رسم العلاقة بين الإنسان والمعرفة برمتها.
ما يُميّز هذا المؤتمر في نظر المتخصصين هو أنه لا يقتصر على الجانب الاحتفالي، وهو خطأ تقع فيه كثير من الفعاليات الكبرى حين تُركّز على الإعلان دون الأثر، بل يستضيف نحو مئتين وخمسين متحدثاً من قادة الفكر وصناع السياسات والمديرين التنفيذيين والأكاديميين والمستثمرين، ويستهدف أكثر من خمسة عشر ألف زائر. هذا الحجم من التنوع الفكري والمهني في مكان واحد يُنتج شيئاً نادراً في عالم المؤتمرات، وهو احتكاك حقيقي بين التجارب الدولية والواقع المحلي، وهو الاحتكاك الذي يُفضي إلى سياسات قابلة للتطبيق لا مجرد توصيات مكتبية.
ثلاثة محاور تنظّم النقاشات على امتداد يومين: التفكير بتمعن، والابتكار صانع الأثر، والتواصل العميق. وهذه المحاور ليست مجرد عناوين تسويقية، بل تعكس فهماً نضجاً لطبيعة التنمية البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي، فالمهارات التقنية وحدها لم تعد كافية، وما يُميّز الكفاءة الحقيقية هو قدرتها على التفكير النقدي والتكيف مع المجهول وبناء علاقات إنسانية حقيقية، وهي أبعاد لا يُحسن الذكاء الاصطناعي تقليدها بعد. من هنا يأتي الرهان على الإنسان بوصفه شريكاً للآلة لا منافساً لها.
ولا يمكن قراءة هذا المؤتمر بمعزل عن السياق الذي أفرزه. المملكة التي كانت معدلات الالتحاق برياض أطفالها دون المأمول قبل سنوات، باتت اليوم تُحرز تقدماً ملموساً في مؤشرات المهارات الرقمية عالمياً، وتُطلق مسارات ابتعاث متجددة، وتستحدث تأشيرات تعليمية تستقطب الكفاءات وتربطها بمنظومة التعليم الوطنية.
هذا التحول ليس إحصاءات فقط، بل يعكس تحولاً في البنية الثقافية للمجتمع نحو الاحتفاء بالمعرفة واحترام الكفاءة.
ما يُعزز الثقة بمخرجات هذا البرنامج أن رئاسة ولي العهد شخصياً للجنته العليا ليست رمزية، بل تعني أن قرارات التمويل والتشريع والتنسيق بين الجهات الحكومية تسير بسرعة وجدية لا تُتاحان في المشاريع الأخرى. ويُضاف إلى ذلك حضور وزير التعليم الأستاذ يوسف البنيان رئيساً للجنة التنفيذية، ومتابعة الرئيس التنفيذي أنس المديفر لتفاصيل التنفيذ اليومية، مما يُشكّل نموذجاً واضحاً للحوكمة التي تجمع الرؤية بالتنفيذ.
في السياق الدولي الراهن المتسم باضطراب متزايد في أسواق العمل وتسارع مذهل في التحول الرقمي، تُقدّم المملكة من خلال هذا المؤتمر ليس فقط تجربتها المحلية، بل نموذج قابل للتصدير في كيفية بناء استراتيجية وطنية للقدرات البشرية تُوازن بين المتطلبات الآنية لسوق العمل والرهانات البعيدة للاقتصاد المعرفي.
المملكة بذلك لا تستورد الحلول، بل باتت شريكة في صياغتها أمام خمسة عشر ألف مشارك وعشرات الدول الحاضرة.