صبحي شبانة
حتى لو نجحت الوساطة الباكستانية في تثبيت هدنة مؤقتة، أو تمديدها لأسابيع إضافية، فإن ذلك لن يكون أكثر من تأجيلٍ لحظة الانكشاف، لا إلغاءً لها، فالحروب في جوهرها لا تُقاس فقط بما تُحدثه من دمار وخراب على الجبهات والمجتمعات، بل بما تخلّفه من تصدعات في العمق الداخلي للدول، وإيران اليوم تقف عند حافة هذا الانكشاف الكبير، حيث لم تعد المسألة مسألة صواريخ تُطلق أو جبهات تُهدأ، بل مسألة دولة أنهكتها كلفة الصراع إلى الحد الذي بات فيه الداخل أكثر هشاشة من أي تهديد خارجي.
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما جرى خلالها، بل ما سيأتي بعدها، فالدول التي تدخل الحروب وهي مثقلة بأزماتها، لا تخرج منها إلا وقد تضاعفت تلك الأزمات، وتحوّلت من ضغوط قابلة للاحتواء إلى اختلالات بنيوية يصعب ترميمها، وإيران، التي كانت تعيش أصلًا تحت وطأة اقتصاد منهك، وعقوبات خانقة، واحتقان اجتماعي متصاعد، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر قسوة، حيث لم تعد قادرة على تأجيل استحقاقات الداخل، أو ترحيل أزماته إلى المستقبل.
الهدنة في هذا السياق ليست نهاية الصراع، بل مرحلة انتقال من الجغرافيا إلى البنية الداخلية للدولة، من ساحات المواجهة إلى شوارع المدن، من حسابات القوة العسكرية إلى معادلات الشرعية والاستقرار، فحين تتوقف المدافع، تبدأ الأسئلة الكبرى بالظهور، أسئلة الكلفة والجدوى، أسئلة من دفع الثمن، ومن سيواصل دفعه، وأسئلة ما إذا كانت الدولة قادرة أصلًا على احتواء مجتمع بات يشعر أن أعباء الصراع فاقت قدرته على الاحتمال.
وإذا كان من السهل على الدول أن تعلن انتصاراتها في زمن الحرب، فإن الأصعب بكثير هو إقناع شعوبها بها في زمن ما بعدها، حين يصبح الواقع المعيشي هو المعيار الحقيقي، لا الخطاب السياسي، وحين تتحول الشعارات إلى أرقام يتكبدها المواطنين في الأسواق، وإلى ضغوط يومية في حياة الناس، وهنا تحديدًا تكمن معضلة إيران، فهي قد تنجح في تثبيت هدنة على حدودها، لكنها ستجد نفسها في مواجهة مفتوحة مع داخلها، داخلٍ لم يعد كما كان، ولم يعد يقبل بالمعادلات القديمة ذاتها، فالحروب لا تنتهي عند خطوط التماس، بل تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تنكشف هشاشة الداخل، وتتراكم كلفة الصراع على المجتمع والدولة معًا.
في الحالة الإيرانية، لا يمكن قراءة ما بعد الحرب بوصفه مجرد مرحلة إعادة إعمار أو استعادة توازن، بل بوصفه لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة ومكوناتها الداخلية، فالدولة التي تخوض حربًا طويلة تحت ضغط اقتصادي خانق، وتواجه في الوقت ذاته احتقانًا اجتماعيًا متراكمًا، تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، كيف يمكن احتواء الداخل بينما الموارد تتآكل، والشرعية تتعرض لاختبار غير مسبوق.
لقد دخلت إيران هذه المواجهة وهي تعاني أصلًا من اقتصاد مثقل بالعقوبات، وتضخم مرتفع، وتراجع في قيمة العملة، إضافة إلى فجوة متسعة بين الطبقات الاجتماعية، ومع تصاعد العمليات العسكرية، تحولت هذه الأزمات من مشكلات مزمنة إلى أزمات حادة، حيث تراجعت الإيرادات، وازدادت الضغوط على الموازنة العامة للدولة، وارتفعت كلفة تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، لكن الاقتصاد رغم أهميته، ليس سوى وجه واحد من وجوه متعددة للأزمة، فالأخطر يكمن في الأوضاع الاجتماعية، حيث تتقاطع آثار الحرب مع حالة من التململ الشعبي كانت قد بدأت قبل اندلاعها بسنوات، الاحتجاجات التي شهدتها المدن الإيرانية في فترات سابقة لم تكن مجرد ردود فعل عابرة، بل كانت تعبيرًا عن تحولات عميقة في المزاج العام، خاصة لدى فئة الشباب، التي باتت أكثر جرأة في التعبير عن رفضها للأوضاع القائمة.
ومع الحرب، تتضاعف هذه التوترات، فالمواطن الذي يواجه صعوبات معيشية يومية، يجد نفسه أمام واقع أكثر قسوة، نقص في السلع، ارتفاع في الأسعار، تراجع في الخدمات، وشعور عام بعدم اليقين، وفي مثل هذه الظروف، لا يكون الاستقرار الاجتماعي مسألة أمنية فقط، بل مسألة قدرة الدولة على تقديم حد أدنى من الضمانات الاقتصادية والمعيشية.
من هنا، فإن أي هدنة، مهما طالت، لن تكون كافية لمعالجة هذه التحديات، بل قد تكشفها بشكل أوضح، فالهدنة تعني توقف القتال، لكنها لا تعني توقف تداعياته، بل على العكس، قد تفتح المجال أمام عودة الأسئلة المؤجلة إلى السطح، من يتحمل كلفة الحرب، وما جدواها، وما الذي تحقق منها فعليًا.
في هذا السياق، تبرز احتمالات تصاعد الصراعات داخل بنية السلطة نفسها، فالدولة التي تواجه ضغطًا خارجيًا، غالبًا ما تحاول الحفاظ على تماسكها الداخلي، لكن مع تزايد الأعباء، قد تظهر تباينات بين مراكز القرار، خاصة فيما يتعلق بإدارة المرحلة المقبلة، هل يتم الاتجاه نحو تهدئة شاملة وانفتاح نسبي لتخفيف الضغوط، أم يتم التشدد للحفاظ على السيطرة ومنع أي انفلات داخلي.
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل ترتبط مباشرة بمستقبل الاستقرار في إيران، فالتاريخ الحديث يشير إلى أن الدول التي تخرج من حروب مكلفة دون تحقيق مكاسب واضحة، تكون أكثر عرضة لاهتزازات داخلية، خاصة إذا ترافقت مع أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة.
كما أن البعد الديموجرافي يلعب دورًا مهمًا في هذه المعادلة، فإيران تمتلك مجتمعًا شابًا إلى حد كبير، وهذه الفئة لا تقارن حاضرها فقط بالماضي، بل بالعالم من حولها، ومع اتساع فجوة التوقعات والواقع، تتزايد احتمالات الاحتجاج، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل أيضًا لأسباب تتعلق بالحريات والفرص والعدالة الاجتماعية.
ولا يمكن إغفال تأثير الحرب على البنية النفسية للمجتمع، فالحروب، حتى عندما لا تدور داخل المدن، تترك آثارًا عميقة على الشعور الجمعي، القلق، الخوف، وعدم الاستقرار، كلها عوامل تضعف الثقة بالمستقبل، وتزيد من قابلية المجتمع للانفجار عند أول شرارة.
في المقابل، قد تلجأ الدولة إلى أدواتها التقليدية في احتواء هذه التحديات، سواء عبر تشديد القبضة الأمنية، أو عبر محاولة إعادة إنتاج خطاب تعبوي يعيد توحيد الداخل في مواجهة الخطر الخارجي، لكن فعالية هذه الأدوات تبقى محدودة إذا لم تترافق مع معالجة حقيقية للأسباب الجذرية للأزمة.
ومن زاوية أخرى، فإن أي انفتاح محتمل بعد الحرب، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، سيكون محفوفًا بالمخاطر، ففتح المجال قد يخفف من الاحتقان، لكنه قد يفتح أيضًا الباب أمام مطالب أوسع يصعب السيطرة عليها، في حين أن الإبقاء على الوضع كما هو قد يؤدي إلى تراكم الضغوط إلى حد الانفجار.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية، إيران ما بعد الحرب ستكون أمام خيارات صعبة، وكل خيار يحمل في طياته كلفة عالية، فإما أن تتجه نحو إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، بما قد يتطلب مراجعات عميقة في السياسات، أو تستمر في النهج ذاته، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تصاعد الأزمات.
ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن البيئة الإقليمية والدولية، فإيران لن تواجه هذه التحديات في فراغ، بل في سياق إقليمي متغير، حيث تعاد صياغة موازين القوى، وتتشكل تحالفات جديدة، وفي مثل هذا السياق، قد تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها، ليس فقط داخليًا، بل في سياستها الخارجية أيضًا.
لكن السؤال الأهم يظل، هل تمتلك الدولة القدرة على إجراء هذه التحولات في ظل الضغوط الحالية، أم أن التحديات ستتجاوز قدرتها على الاستجابة، لتدخل البلاد في مرحلة من عدم الاستقرار الممتد.
الإجابة ليست سهلة، لكنها ترتبط بمدى قدرة النظام على قراءة التحولات داخل مجتمعه، والاستجابة لها بمرونة، فالدول لا تنهار فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل عندما تعجز عن التكيف مع التغيرات الداخلية.
وفي النهاية، قد تنجح الوساطات في وقف إطلاق النار، وقد تتوقف العمليات العسكرية، لكن ما سيحدد مستقبل إيران ليس ما حدث في ساحات القتال، بل ما سيحدث في شوارعها ومدنها، فهناك، حيث تتقاطع السياسة بالاقتصاد بالمجتمع، تتشكل ملامح المرحلة المقبلة.
إيران الخارجة من الحرب لن تكون دولة منتصرة بالمعنى التقليدي، حتى لو أعلنت ذلك، بل ستكون دولة مثقلة بالتحديات، تبحث عن توازن جديد في الداخل قبل الخارج، وإذا لم تنجح في ذلك، فإن الهدنة قد تكون مجرد استراحة قصيرة قبل جولة أخرى من الصراع، ولكن هذه المرة داخل حدود الدولة الإيرانية إن بقت على حالها دولة لم تتفتت.