د. إبراهيم بن جلال فضلون
في الحرب، الحقيقة هي الضحية الأولى؛ وفي عصر السوشيال ميديا، الحقيقة هي ما يقرر القائد أنها حقيقة، فالغالبية تجمع على أن استخدام ترمب لـ»السوشيال ميديا» وفق مناصريه مثير للإعجاب وعاكس للقوة، بينما يراه معارضوه مُثيراً للفتنة وعاكساً للفرقة. إذ نجح ترمب في تهميش الإعلام التقليدي بصورة كبيرة لصالح «تروث سوشيال» التي ولدت في عام 2022 وجعلها سردية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومصدر أخبار كل ما هب ودب كالحرب شبه الرئيس، في محاولة للعودة إلى الفضاء الرقمي بعد «نفيه» من تويتر سابقا وفيسبوك، لتتحول من تطبيق يعاني من مشكلات تقنية إلى «مركز قيادة وسيطرة» عابر للقارات، يهمش الإعلام التقليدي ويصنع دبلوماسية «التغريدة الواحدة» التي تلهث خلفها عواصم العالم، ستموت برحيله هو.
نجح ترمب في تحويل المنصة إلى «ختم انفراد»، حيث أصبحت وسائل الإعلام الرصينة ووكالات الأنباء الدولية مجرد «ناقل» عما يكتبه الرئيس. لم تعد الأخبار تخرج من أروقة البيت الأبيض أو البنتاغون عبر مؤتمرات صحفية، بل عبر «حقائق» (Truths) متلاحقة ترسم خارطة الصراع لحظة بلحظة (إيران منيت بهزيمة موجعة والحقيقة مخالفة- لا أسلحة نووية لطهران بعد اليوم والصواريخ ترج أذان القواعد وبوارجها بالمنطقة، البحرية الأميركية تبدأ إزالة الألغام الإيرانية والواقع مخالف).
وبعيداً من حزمة الغضب والغيظ والانتقام التي أتت ضمن أسباب إطلاق «منصة الرئيس»، تلك «المحمية النفسية المُغلقة»، فيما يمكن تسميته سيكولوجياً بـ «مطاردة الحباري» في البراري، فقد بقيت المنصة الجديدة حبيسة أربعة جدران هم: الذكور، والجامعيون، والأكبر سناً (العقدان الخامس والسادس من العمر)، المحافظون أو المؤيدون لفكر ترمب وسياساته، بل مركز قيادة فوري للحرب النفسية والدبلوماسية الرقمية التي وصفتها صحيفة «لو موند» بأنها: «مركز قيادة فوري لإصدار التوجيهات العسكرية وشن الحرب النفسية». هنا، لا توجد قواعد للتحرير الصحفي، ولا صحفي «كذاب» يطرح أسئلة مُزعجة، ولا «خوارزميات» تراقب المحتوى، وكأن المنصة هي «جنة التعبير» لترمب، حيث يمزج بين القرارات العسكرية الصارمة والدُعابات الساخرة، والتهديدات الدبلوماسية المباشرة.
عناوين أخبار كحرب إيران لا تخلو من أربع كلمات: تروث سوشيال ترمب إيران، ترمب: عبر تروث: إيران منيت بهزيمة موجعة»، «ترمب على تروث: لا أسلحة نووية لإيران»، «ترمب يتحدث عن حصار بحري على إيران»، والأدهى ما أُثير حالياً بسبب الصورة المصنوعة بالذكاء الاصطناعي التي نشرها الرئيس على منصته، ويظهر فيها في هيئة شبيهة بالسيد المسيح، يمسح بيده على رأس مريض، واليد الأخرى يخرج منها ضوء نوراني، ويحيط به أفراد بينهم جندي، وطبيبة أو ممرضة، وامرأة تُصلي، وجميعهم ينظر إليه بتقدير، وفي خلفيته تمثال الحرية ونصب لينكولن، وغيرهم مما أثار انتقادات رجال دين محافظين معروفين بدعمهم له، ليُزيلها. وقد نخشى أن تكون منصة انتخابية بدلاً من صناديق الاقتراع؟.
هذا النمط جعل العالم اليوم لا يتابع وزارة الخارجية الأميركية ليعرف موقف واشنطن، بل يتابع «تسلسلاً زمنياً» لما يفكر فيه المتحدث الصحفي برتبة رئيس سوشيال فقط ويُتكتك له، مما جعل الدول الأجنبية «عقول مجزأة»... تتعامل مع كل «تروث» تلك «الوجبة الترند» كوثيقة رسمية تستوجب الحذر والجاهزية، وكأنهم فقدوا عقولهم التي وهبها الله لهم، فكيف حولت «السوشيال ميديا» نمط تفكيرنا؟.
وعلى الرغم من القوة التي تمنحها المنصة لترمب، إلا أنها تظل «حقل ألغام» قانوني، لكثير من التحذيرات القضائية في نيويورك من «المنشورات التحريضية» والتي تضع حرية الرئيس على المحك. فبينما يرى مناصروه في تدويناته «عكساً للقوة»، يراها القضاء مصدر خطر قد يؤدي إلى «أمر رسمي بمنع النشر» أو حتى السجن في حال ثبوت التحريض على العنف، لكن المفارقة تكمن في أن قدرة ترمب على عدم الصمت هي محركه الأول، وهي في الوقت ذاته أكبر تهديد يواجهه، إذ حظرت إحدى المحاكم على ترمب استعمال السوشيال ميديا في نشر نصوص تحرض على العنف، لكن ترامب لا يكف عن تدوين تصريحات نارية على منصته «تروث سوشيال»
وقفة: لم تعد تروث سوشيال مجرد شركة تهدف للربح أو تطبيق تواصل اجتماعي؛ بل إنها «سردية حرب» كما يراها الفاعل الرئيس فيها، إن لم تكن مختبرا نفسيا لتربية «حبارير الوهم»؛ حيث تُطلق الأفكار لتركض في اتجاه واحد، ليبقى الجميع في حالة انتظار دائم لـ«قنصة» جديدة من كلمات الرئيس. وفي عالم «تروث سوشيال»، لا صوت يعلو فوق الشعبوية؛ وبينما يلهث العالم خلف «حقائقه»، تظل المنصة أكبر تجربة في تاريخ العلاقة بين السلطة والإعلام، حيث تُلغى المسافة بين الفكرة والقرار، وبين التهديد والتنفيذ.