صالح الشادي
ليس غريباً أن يسأل سائل عن جدوى دراسة التاريخ، الجغرافيا، علم النفس، علم الاجتماع، الأدب، الفنون وفروعها، وسائر العلوم الإنسانية، في زمن باتت فيه التقنيات المادية هي المسيطر الأظهر على حركة الاقتصاد ومقاييس التقدم.
غير أن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن هذه العلوم وحدها هي التي تنظم فكر المجتمع وتمنحه القدرة على قراءة الواقع قراءة لا تقتصر على سطح الأرقام بل تغوص في طبقاته الجيولوجية.
فالتاريخ، على سبيل المثال، ليس سرداً جامداً، بل هو تجربة البشرية المختزنة، ومن يجهله يحكم عليه أن يعيد أخطاء الماضي دون وعي. والجغرافيا تعلّم أن المكان ليس خلفية صامتة، بل هو فاعل مؤثر في الصراع والازدهار.
أما علم النفس فيكشف نواميس السلوك البشري. وعلم الاجتماع يمنح المجتمع مرآة يرى فيها بنيته، تناقضاته، وتحولاته، فيستطيع أن يصلح ما اعوج قبل أن ينهار.
وليس الأدب في هذا السياق تزييناً أو تسلية، بل هو مختبر وجودي متكامل.
فحين يقرأ إنسان رواية، فإنه يدخل عوالم شخصيات مختلفة، يرى الحياة من زوايا متعددة، يتعرف على آلام الفقراء، طموحات الضعفاء، وتعقيدات النفوس التي لا تظهر في الإحصاءات.
الأدب يصنع التعاطف العميق، ويعلم أن الحقيقة ليست أحادية البعد، بل متشعبة ومتناقضة أحياناً.
وهو إلى ذلك ينمي الخيال، ذلك الخيال الذي يسبق كل اختراع وكل نهضة، فما بنيت حضارة إلا برؤية ما لم يوجد بعد.
والأدب، مع الفنون جميعاً، يحفظ هوية الأمة وذاكرتها، ويعبر عن روحها الجماعية بطريقة لا تستطيع الخطابات الجافة أن تفعلها.
لقد شهدت الأمم التي أهملت هذه العلوم انحداراً في فكرها العام، وسهولة في استقطاب أبنائها نحو التبسيط المخل والغلو المدمر. فالعلوم الإنسانية تعلم كيف تفكر، لا ماذا تفكر، وهي بذلك تنتج وعياً نقدياً يقاوم التضليل والاستبداد. وقراءة الواقع بعمق تتطلب أن نعرف ليس فقط كم عاطلاً عن العمل، بل لماذا يشعر العاطل بالعار أو بالغضب، وكيف تتحول إحباطاته الفردية إلى ظاهرة اجتماعية.
هذا الفهم لا توفره الأرقام وحدها، بل توفره العلوم الإنسانية المتكاملة، وعلى رأسها علم الاجتماع وعلم النفس، والأدب الذي يمنحنا فكرة عن لغة الشارع وأحلامه وأماله.
وإذا نظرنا إلى أوروبا اليوم، نجد أن الجامعات والمؤسسات الأكاديمية هناك تدرك تمام الإدراك أن العلوم الإنسانية ليست ترفاً فكرياً، بل هي ركيزة أساسية لمواجهة تحديات العصر.
فقد عُقد مؤتمر بعنوان «القيم الإنسانية والتحديات الكبرى» في الدنمارك، جمع أكثر من 170 خبيراً من 30 دولة، ناقشوا فيه كيف يمكن للعلوم الإنسانية أن تسهم في بناء مجتمعات قادرة على الصمود والتحول.
وفي هذا المؤتمر، حذرت وزيرة التعليم العالي والعلوم الدنماركية من أن البعد الإنساني لا ينبغي أن يكون خياراً ثانوياً، بل هو جوهر لا غنى عنه في مواجهة التحديات التكنولوجية.
وتشير المناقشات الجارية حول برنامج الإطار العاشر للبحث والابتكار (FP10) في الاتحاد الأوروبي إلى أن مجرد الاعتماد على العلوم والتقنية لا يكفي لضمان مستقبل آمن لأوروبا.
فقد أصدر عمداء الجامعات البلجيكية بياناً مشتركاً يؤكدون فيه أن العلوم الإنسانية والاجتماعية ضرورية لفهم كيفية عمل المجتمعات، وكيف يمكن أن يظل التقدم عادلاً وشاملاً للجميع. ويدعو هؤلاء العمداء إلى تخصيص تمويل كبير لهذه العلوم، وإدماج الخبراء فيها في جميع مراحل تصميم المشروعات البحثية وتقييمها، وليس فقط في أدوار استشارية.
بل ذهبت وزيرة التعليم العالي والعلوم الدنماركية إلى أبعد من ذلك، إذ شددت على ضرورة أن نفهم أي نوع من المجتمع نريد للتكنولوجيا أن تبنيه وتخدمه.
إن الجامعات الأوروبية العريقة، مثل جامعة لوند في السويد، تعيد اليوم صياغة دور العلوم الإنسانية في ضوء التحولات الراهنة. فهي تؤكد أن هذه العلوم تلعب دوراً تأسيسياً في تنمية التفكير التحليلي، والفهم التاريخي، والوعي الأخلاقي، وهي قدرات لا غنى عنها في عالم يشهد اضطرابات تكنولوجية وتراجعاً ديمقراطياً.
وتطرح أسئلة مصيرية: بينما يصمم المهندسون طائرات بدون طيار، يسأل طلاب العلوم الإنسانية:
من يقرر أين تحلق؟ وبينما تحاكي برامج إدارة الأعمال الأسواق، يسأل هؤلاء الطلاب: لمن يعمل هذا الاقتصاد حقاً؟
وبينما تصبح الخوارزميات أكثر قوة يوماً بعد يوم، يسأل طلاب العلوم الإنسانية:
أي القيم يجب أن تحكمها؟
وتواجه العلوم الإنسانية في أوروبا تحديات مماثلة لتلك التي تواجهها في العالم العربي، من تراجع في أعداد الطلاب وانخفاض في التمويل.
ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تُغلق أقسام بأكملها بسبب مشكلات هيكلية ومالية، وتكون هذه الأقسام أول ما يُستغنى عنه عند مواجهة أية صعوبات. ومع ذلك، يظل الأكاديميون هناك مصرين على أن هذه العلوم ضرورية لفهم الثقافة والمجتمع الإنساني، وأنها وحدها القادرة على وضع التطورات التكنولوجية، مثل الذكاء الاصطناعي، في سياقها الأخلاقي والاجتماعي.
ولئن كانت العلوم التقنية - كالطب والهندسة والفيزياء والذكاء الاصطناعي - هي التي تبني الجسور وتشفي الأجساد وتدير الاقتصاد، فإنها تبقى أدوات صامتة لا ضمير لها.
فالتقنية وحدها لا تجيب عن السؤال: إلى أين نسير؟ ولا عن سؤال: لماذا نصنع هذا؟ الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة عدالة أو رقابة، والطاقة النووية يمكن أن تضيء مدينة أو تمحوها. التوجيه الأخلاقي ورسم الغايات هو من مهمات العلوم الإنسانية.
إن المجتمع الذي يقدم التقنية على حساب الإنسانية يخاطر بأن يصبح غنياً بالآلات فقيراً بالمعنى، متصلاً بشبكات المعلومات منفصلاً عن شبكات الرحمة والحكمة.
لهذا، فإن النهضة الحقيقية لأي أمة تكمن في توازن دقيق: طبيب بارع يجيد الجراحة لكنه يقرأ الشعر أيضاً فيفهم روح مريضه، ومهندس يخطط مدينة ذكية لكنه يستلهم تاريخ المكان وجماليات العمارة التقليدية، وخبير اقتصادي يحلل الأسواق لكنه درس التاريخ فيعرف أن التفكك الاجتماعي يهدم أقوى الاقتصادات.
الاستثمار في العلوم الإنسانية ليس ترفاً، بل هو استثمار في صناعة عقول متأملة ، وشعوب واعية غير قابلة للتضليل، وحضارة لا تقاس بناطحات السحاب وحدها بل بجمال فنونها، وعمق أدبها، ونقدية فكرها. إنها الطريق الوحيد لا لأن تصبح التقنية سجاناً للإنسان، بل جسراً إلى مستقبل تتعانق فيه الحكمة والآلة معاً لخدمة الحياة الأجمل.