أ.د.عثمان بن صالح العامر
في كل عام، حين يمر اليوم العالمي للكتاب والذي يوافق الـ 23 من شهر أبريل، لا أستطيع أن أتعامل معه كذكرى عابرة أو مناسبة رمزية فقط؛ بل أشعر أنه يوم شخصي جدًا، يوم أعود فيه إلى نفسي الأولى، إلى تلك اللحظة التي التقيت فيها بالكتاب للمرة الأولى، دون أن أدرك أن هذا اللقاء سيغيّر مسار حياتي بالكامل.
قصتي مع الكتاب لم تبدأ بشكل استثنائي. لم أكن ذلك الطفل الذي يُحاط بالمكتبات الفخمة أو يعيش وسط أكوام من الروايات. بل كانت البداية بسيطة، وربما عفوية جدًا. كتابٌ صغير، سقط بين يدي بالصدفة، لكنّه فتح بابًا لم يُغلق حتى اليوم. منذ تلك اللحظة، لم يعد الكتاب مجرد أوراق مطبوعة، بل صار نافذتي لفهم العالم بل لفهم نفسي.
مع مرور الوقت، تحوّل الكتاب من وسيلة تسلية إلى رفيق حقيقي. في لحظات الوحدة، كان حاضرًا. في أوقات الحيرة، كان يجيب بصمت عميق. وفي فترات الانكسار، كان يعيد بناء داخلي دون أن أشعر. لم يكن يفرض رأيًا، بل يفتح أمامي احتمالات. لم يكن يعلّمني ماذا أفكر، بل كيف أفكر.
الكتاب لم يمنحني المعرفة فقط، بل منحني لغة. لغة للتعبير، للفهم، للدهشة. جعلني أرى التفاصيل الصغيرة التي كنت أتجاوزها، وأفهم أن الحياة ليست مجرد أحداث متتالية، بل معانٍ تحتاج من يقرأها كما يقرأ كتابًا جيدًا.
أذكر جيدًا تلك المرحلة التي تغيّر فيها كل شيء؛ حين بدأت أختار ما أقرأ بوعي. لم أعد أبحث عن كتاب يُنهي وقتي، بل عن كتاب يُغيّرني. بدأت أتنقل بين مجالات مختلفة: الدين، الثقافة، الأدب، الفكر، التاريخ، الفلسفة، النفس والاجتماع بل حتى الطب. ومع كل كتاب، كنت أشعر أنني أضيف قطعة جديدة إلى نفسي، كأنني أبني داخلي عالمًا خاصًا بي.
وربما أجمل ما في علاقتي مع الكتاب أنه لم يكن علاقة ثابتة، بل علاقة تتطور معي. الكتاب الذي لم أفهمه في الماضي، أعود إليه اليوم فأجده مختلفًا تمامًا. أو ربما أنا من أصبحت مختلفًا. وهنا تكمن روعة القراءة؛ أنها ليست تكرارًا، بل اكتشاف مستمر.
في زمن السرعة والاختصار، قد يبدو الكتاب خيارًا صعبًا أو بطيئًا. لكن الحقيقة التي أدركتها مع الوقت أن الكتاب ليس ضد السرعة بل هو ضد السطحية. هو المساحة التي نستعيد فيها عمقنا، وتركيزنا، وإنسانيتنا.
اليوم، في هذه المناسبة العالمية، لا أحتفل بالكتاب كشيء خارجي، بل كجزء من تكويني. أحتفل بكل فكرة غيّرتني، بكل جملة أثّرت فيّ، بكل صفحة جعلتني أتوقف وأفكر.
قصتي مع الكتاب لم تنتهِ بل هي في بدايتها دائمًا. لأن كل كتاب جديد هو بداية جديدة، وكل قراءة هي احتمال آخر لشخصٍ أفضل. خاصة مع تقدم العمر وزيادة الوعي ورجاحة التفكير، ولن تنتهي قصتي مع الكتاب حتى أوارى التراب، وإلى لقاء والسلام.