د. طارق بن محمد بن حزام
اللغة العربية ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي شريان الحضارة وروح الفكر، وعنوان هوية الأمة وميراثها العريق.
فهي لغة القرآن الكريم، ووعاء حضاري امتد أثره في ميادين العلم والفكر والأدب قرونًا طويلة، حملت علوم الأمم وبنات الأفكار، وألهمت المفكرين والأدباء على اختلاف العصور.
لكن الواقع المعاصر يفرض علينا التمعن في أزمة لغوية غير مسبوقة، تتمثل في ضعف استخدام العربية بين أبنائها، خصوصًا في المدارس والجامعات، حيث تبدو اللغة الفصحى أداةً دراسيةً باردة، تفقد الطلاب حيويتها وروحها.
يظهر هذا الضعف في ركاكة التعبير، وكثرة الأخطاء الإملائية والنحوية، ومحدودية الرصيد اللغوي، وضعف القدرة على صياغة الأفكار بوضوح واتساق.
واللغة هنا ليست مجرد وسيلة، بل وعاء الفكر وعماد البناء العقلي.
تتعدد أسباب هذا التراجع، فانتشار اللهجات العامية، وضعف المناهج التعليمية التقليدية، واعتماد بعض المعلمين أساليب جامدة، كلها عوامل أضرت بحضور الفصحى.
كما ساهمت وسائل الإعلام الحديثة في إدخال العامية والألفاظ الأجنبية، فزاد الفارق بين اللغة الحية في الحياة اليومية واللغة الرسمية في المدارس.
ومع ذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة ممكنة إذا تكاتفت الجهود بين الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات التربوية والثقافية، واعتمدت على أساليب علمية وتربوية حديثة.
فالمؤسسات الكبرى مطالبة بإعداد برامج وأنشطة لغوية حية، وتوظيف التقنية الحديثة لتعليم العربية وتعلمها، وضمان حضورها في البيئة التعليمية والمجتمعية.
كما يقع على عاتق وزارات التربية والتعليم دور محوري في تعزيز مكانة اللغة في نفوس الناشئة، وتنمية حبها واعتزازهم بها، مع تطوير برامج إعداد المعلمين ومناهج التعليم، لتجمع بين أصالة اللغة ومتطلبات العصر، وتبني استراتيجيات حديثة في التدريس، وخلق بيئة تعليمية مشوقة تحفز الطلاب على الإبداع والتميز اللغوي والفكري.
إن الارتقاء باللغة العربية مرتبط ارتباطًا وثيقًا برقي الفكر والثقافة في المجتمع، فالفكر والفن مرآة حضارة الأمــم، وكلما ارتقى المجتمع ارتقت لغته، وأصبح قادراً على التعبير عن أعظم معاني الحياة.
ختامًا، يجب أن تكون اللغة العربية نبراس الهوية ووعاء العلم والفكر، وأن تبث المؤسسات التربوية في نفوس الطلاب شعورًا بأن رفعة الأمم من رفعة لغتها، وقوتها من قوة لغتها، وانتشارها من انتشار لغتها.
فقد شرفها الله تعالى بأن جعلها وعاءً لكلامه المبين، قال تعالى:
{وَإِنَّـهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}.
وعندما تتضافر جهود الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية، ستظل العربية حاضرة بقوة، لغة علم وفكر وحضارة، ومرآة أممها وماضيها ومستقبلها.