د.محمد بن عبدالرحمن البشر
عنترة بن شداد الفارس والشاعر العربي الذي عاش قبل الإسلام بقليل، قصته مشهورة، وسيرته عطرة ومعمورة، له شعر عذب، فيه طراوة الغزل، وحلاوة الوصف والجدل، وفيه حكمة ورفعة، وخلق وعفة، فهو العفيف الذي يقول:
وَأَغَضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي
حَتّى يُواري جارَتي مَأواها
إِنّي اِمرُؤٌ سَمحُ الخَليقَةِ ماجِدٌ
لا أُتبِعُ النَفسَ اللَجوجَ هَواها
هكذا هو وسمو خلقه، عبر عنه بجميل شعره، ومن شاعريته وصفه للطبيعة وصفًا رائعًا لم يسبقه غيره إليه، فمن وصفه لروضة مر بها، قوله:
وَخَلا الذُبابُ بِها فَلَيسَ بِبارِحٍ
غَرِداً كَفِعلِ الشارِبِ المُتَرَنِّمِ
هَزِجاً يَحُكُّ ذِراعَهُ بِذِراعِهِ
قَدحَ المُكِبِّ عَلى الزِنادِ الأَجذَمِ
ما أعجبه من وصف لتلك الطبيعة الغناء، الزاهية، المكتسية بالزهور والورود، وقد سحت سحابة ماءها الزلال على تلك الروضة، وخلا الذباب بها يحك ذراعه بذراعه، كما هي عادته إذا طاب زمانه، وحسن مكانه، وهنا تبرز شاعرية عنترة بوصفه الذباب في تلك الروضة، فكأنه قد شرب خمرًا، فأخذ يترنم ويغني، ويفعل حركته تلك، وشبهه بمن فقد أطرافه العليا، وهو مكب يحاول أن يقدح الزناد تحت تلك الظروف، فما أجمل هدا الوصف والتشبيه.
أما قصصه في الفروسية فهي كثيرة، ويضرب به المثل للدلالة على الشجاعة والإقدام، يقال إن هذا الفارس الفذ قد قابل ثوراً هائجاً في سكة سد، فكان بين أمرين، إما المقابلة، أو المداراة والخلاص من المأزق الذي وقع فيه، فاختار المداراة وتقهقر إلى الخلف، حتى يتمكن من إنقاذ نفسه، ففعل، ولم يصب بأذى، فلامه الناس، وقالوا كيف لك وأنت عنترة أن تنهزم أمام ثور هائج، فقال قولته المشهورة: ما أدرى الثور أني عنترة.
وكأن المشهد يعيد نفسه في الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فإيران حاولت أن تستمر في التخصيب بنسب غير مسموح لها به، وتجاوزت كل المحظورات بهذا الخصوص، وربما أنها تعلم أنها مكشوفة من قبل الأقمار الصناعية، والاختراقات الأمنية الهائلة داخل إيران سواء في مواقع التخصيب أو غيرها، أو أنها لا تعلم، لكنها استمرت في غيها، حتى وقع ما وقع من أحداث، فخسرت الكثير سواء في المجال النووي، أو الصاروخي، أو البنية التحتية، وتم تقييد قدراتها واقتصادها، كما خسرت خسارة دبلوماسية في فقدان الثقة بها سواء من جيرانها، أو من دول العالم الأخرى، ولم تجد من يدعمها عندما حل بها ما حدث، فبقيت وحيدة بلا معين، كما أن الشعب الإيراني المتذمر إزداد تذمرًا، فقد تدنت قدرته الشرائية، وارتفعت الأسعار، وقلت فرص التوظيف وغيرها.
وهنا يجدر التوقف عند هذا النهج، فإن من الحكمة قبل الإقدام، تلمس الطريق ومعرفة القدرة على قطع المسافة للوصول إلى الغاية، وفيما يبدو أن متخذي القرار هناك لم يتمكنوا من تقييم المخاطر، وحساب الربح والخسارة طبقًا للإمكانات والقدرات البشرية، والعسكرية، والاقتصادية، والزمن الذي يمكن تحمله تحت ضغط دائم، في جميع القطاعات، فلو فعلوا فعل عنترة، وتراجعوا إلى الخلف بهدوء ولو إلى حين، فقد يكون ذلك أجدى، ورحم الله رجلاً عرف قدر نفسه في كل موقف يمر به.