د.عيد بن حجيج الفايدي
قبل مائتي عام، وقبل أن تبتكر أوروبا الصناعية نموذج المدرسة المعاصرة بجدرانها الجامدة وصفوفها المتراصة، كان التعليم في أصله فعلاً إنسانياً منزلياً بامتياز؛ إذ لم يكن هناك فصل بين «الحياة» و»التعلّم»، بل كان الطفل يتشرب الحكمة والمهنة والقيم في كنف أسرته ومجتمعه الصغير، كضرورة فطرية لا كالتزام مؤسسي.
واليوم، يعود مفهوم التعليم المنزلي ليتصدر المشهد التعليمي، ويبرز كحاجة ملحّة لإعادة الربط بين المنزل والمدرسة، في نقل مسؤولية التعليم جزئياً من المؤسسة التعليمية إلى الأسرة؛ حيث يتولى الوالدان توجيه المسار المعرفي للطفل في بيئة مرنة خارج إطار المدرسة التقليدية، مع الالتزام غالباً بمعايير تضمن جودة التحصيل.
وفي هذا السياق، ليس هناك ابتكار مستحدث بقدر ما هو مراجعة عميقة للعلاقة بين الطفل والمعرفة، واستعادة لذلك الجذر التاريخي الذي يرى في التعليم «مشروع بناء إنسان»، لا مجرد حشو للذاكرة.
وتكتسب هذه الاستعادة أهمية مضاعفة في أوقات الأزمات؛ حيث يتحول التعليم المنزلي من خيار بديل إلى ضرورة تحفظ استمرارية التعلم، وتمنح الطفل شعوراً بالأمان والاستقرار. فيتحول المنزل إلى فضاء تربوي متكامل، يحقق مفهوم الحديث النبوي: «المولود يولد على الفطرة»، ويجمع بين المعرفة والرعاية النفسية.
كما يسعى التعليم المنزلي إلى تحرير التعلم من القوالب الجامدة، وإعادته إلى طبيعته الأولى كتجربة إنسانية حيّة، تتشكل وفق إيقاع الطفل وفضوله الداخلي.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات جوهرية تتطلب وعياً تربوياً عميقاً؛ فإلى جانب مخاوف العزلة الاجتماعية، وضغوط الأدوار على الأسرة، يبرز تحدٍ معاصر يتمثل في العلاقة المعقدة بين الطفل والتقنية. ففي زمن تتكاثر فيه الشاشات، لم تعد الأجهزة اللوحية مجرد أدوات، بل أصبحت في كثير من الأحيان مساحات استهلاك سلبي تستنزف انتباه الطفل، وتؤثر في نمط تفكيره.
وهنا تتضح مزايا التعليم المنزلي، لا في إقصاء هذه الأجهزة، بل في إعادة توجيهها؛ حيث تتحول من أداة ترفيه مفرط إلى وسيط معرفي فاعل، يُدمج ضمن سياق تعليمي واعٍ، يربط بين العالم الرقمي والتجربة الواقعية، ويمنح الطفل القدرة على استخدام التقنية كوسيلة للفهم، لا كمهرب من الواقع.
وتبرز مشكلة تربوية أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بتأثير البيئة اللغوية والثقافية داخل المنزل، خاصة في ظل الاعتماد الواسع على العمالة المنزلية الأجنبية. فحين يقضي الطفل ساعات طويلة في تفاعل يومي مع لغة غير لغته الأم، وأنماط ثقافية مغايرة، قد يتشكل وعيه اللغوي والمعرفي بصورة مشوشة أو مزدوجة، قبل أن يكتمل بناؤه الأساسي.
وهنا يلعب التعليم المنزلي دوراً تصحيحياً بالغ الأهمية؛ إذ يعيد للأسرة موقعها كمصدر أول للغة والمعنى، ويمنح الوالدين فرصة واعية لضبط المدخلات اللغوية والفكرية التي يتلقاها الطفل. وليس ذلك من خلال العزل أو الإقصاء، بل عبر إعادة التوازن؛ بحيث تبقى اللغة العربية حاضنة التفكير الأولى، وتُقدَّم القيم والسياقات الثقافية بصورة مقصودة ومنسجمة، مما يعزز الهوية الوطنية، ويمنع التشتت المبكر في تشكيل الوعي.
وفي المملكة العربية السعودية تحديداً، تُعد تجربة التعليم تجربة ثرية ومتنامية، تأخذ طابعاً مؤسسياً يعكس تحولات أوسع في فلسفة التعليم. فمع تطور المنصات التعليمية الرقمية، مثل «منصة مدرستي»، وبرامج التعليم المرن والانتساب، وغيرها من المبادرات، لم يعد التعليم المنزلي يُنظر إليه كخيار هامشي، بل كأحد المسارات التي تتقاطع مع توجهات التحول الرقمي، وتدعم تنوع التجارب التعليمية.
هذا التوجه يعكس إدراكاً متزايداً بأن التعليم لم يعد محصوراً في بيئة واحدة، بل يمكن أن يتشكل عبر نماذج متعددة. وهنا يبرز نموذجان رئيسيان في التعليم العام:
الأول، نموذج التقسيم الثلاثي (ابتدائي، متوسط، ثانوي)، والذي ينطلق من فكرة أن الطفل يمر بمراحل نمائية متمايزة، تحتاج كل مرحلة منها إلى بيئة ومناهج مخصصة؛ فالابتدائي للمهارات الأساسية، والمتوسط لبناء التفكير، والثانوي لتحديد المسار.
وهذا النموذج يمنح النظام قدرة على التدرج التربوي، لكنه قد يواجه فجوات نفسية عند الانتقال بين المراحل.
أما النموذج الثاني، فهو التعليم المستمر الممتد، الذي يعتمد مساراً تعليمياً موحداً لعدة سنوات دون انقطاع هيكلي، مما يعزز الاستقرار النفسي للمتعلم، ويقلل من صدمات الانتقال، رغم ما يواجهه من تحديات في تلبية الفروق الفردية ضمن نظام واحد.
لكن السؤال الأهم: لماذا التقيد بهذين النموذجين ؟ ولماذا لا يكون هناك نموذجاً ثالثاً يتجاوز جمود الجدران المدرسية؟
لماذا لا يبدأ التعليم من المنزل، وينتهي بالمدرسة؟ نموذج يعترف بالمنزل كأول مختبر للتعلم والحياة، حيث تُبنى القيم، ويتشكل الفضول المعرفي في بيئة أسرية مرنة، ثم ينتقل الطالب تدريجياً إلى المدرسة لاكتساب المهارات الاجتماعية والتخصصية.
نموذج يدمج البيئتين في مسار واحد متصل، ينهي القطيعة بين «التربية المنزلية» و»التعليم المدرسي»، ويجعل من الانتقال رحلة آمنة تبدأ من دفء الأسرة، وتتوسع نحو آفاق المجتمع.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يتعلم الطفل مهارات اللغة والكتابة داخل المنزل وفق خطة رسمية واضحة، ثم يلتحق بالنموذج التعليمي العام في سن السابعة، ليستمر في مسار تعليمي متكامل لعدة سنوات. وبذلك يشارك المنزل بشكل فعلي في التأسيس التعليمي، قبل الانتقال إلى التعليم النظامي.
إن الحل لا يكمن في الاختيار بين نموذجين، بل في الحاجة إلى نموذج ثالث يستفيد من مزاياهما معاً. وما المانع أن يُطلق عليه «التعليم الهجين»، الذي يبدأ من المنزل، ويمتد عبر المدرسة، وصولاً إلى بوابة الجامعة؟
نموذج يعيد تعريف مكان التعلم وزمانه، ويطرح سؤالاً جوهرياً: أي نموذج تعليمي يخدم طبيعة الإنسان المتغيرة؟
فالهياكل التعليمية ليست مجرد تقسيم سنوات، بل انعكاس لفلسفة تربوية كاملة، تُسهم في تشكيل الإنسان في عالم سريع التغير. والمطلوب اليوم هو تصميم هيكل يحقق التوازن؛ استقرار دون جمود، ومرونة دون فوضى، وكفاءة دون هدر.
فالتعليم، في نهاية المطاف، ليس مبنى بصفوف محددة، بل هو رحلة تبدأ من أول سؤال يطرحه الطفل في حضن عائلته، وتمتد عبر مسارات الحياة، لتكون رحلة متصلة، عميقة، ومفصلة , ومناسبة لكل متعلم، وإذا كان نموذج المدرسة المعاصرة بدأ مع بداية عصر الصناعة في أوروبا، وحيث بدأ عصر الذكاء الاصطناعي فإن هذا العصر بحاجة لمدرسة جديدة وهيكل تعليم جديد بنموذج جديد..يساهم بتأسيس مدرسة24 ساعة تقابل مطعم 24 ساعة ومستشفى 24 ومحطة إذاعة 24ساعة.. فهل هناك هيكل هجين جديد للتعليم العام؟
لعل وعسى.