د. خالد بن سالم الحربي
في مشهد يتكرر عبر منصات التواصل الاجتماعي، يكتب أحدهم مقالاً يلامس ثغرة أو ممارسة سلبية في بيئة العمل، فيُقابل بسيل من رسائل الدعم والثناء الخاصة (عبر الواتس آب)، بينما يظل حيز التفاعل العلني شبه مُقفر. هذه الفجوة بين القناعة الشخصية والشجاعة العلنية ليست مجرد صدفة، وإنما مؤشر يستحق التوقف عنده وتحليله.
يعود هذا السلوك إلى دافع نفسي واجتماعي مشترك، هو تجنب المخاطرة. فالخوف من العواقب الوظيفية المحتملة، أو من نظرة الرؤساء والزملاء، أو حتى من البصمة الرقمية التي قد تُحسب على صاحبها، يدفع الأفراد إلى كبح مشاركة آرائهم الحقيقية في الفضاء العام. إنه صراع بين الرغبة في التعبير عن الذات والرغبة في الحفاظ على السلامة الوظيفية.
غياب الحوار الصادق له تبعات عميقة على بيئات العمل، ففقدان التغذية الراجعة يفقد القائد أو المسؤول في المؤسسة مصدراً مهماً للمعلومات، ما يحول دون استغلال فرص تطوير المؤسسة ومعالجة نقاط الضعف. كما يؤدي اختلاف الخطاب الرسمي العلني عن الأحاديث الجريئة خلف الكواليس إلى ترسيخ ازدواجية الخطاب التنظيمي وخلق ثقافة تنظيمية غير متجانسة. الأخطر، أن غياب النقد البناء العلني يمكن أن يطيل أمد الممارسات الإدارية السلبية دون مساءلة حقيقية.
يجب على المؤسسة الطموحة السعي لبناء ثقافة نفسية آمنة، تشعر الموظفين بالأمان عند التعبير عن أفكارهم وآرائهم دون خوف من الانتقام. وهذا يبدأ من القيادة العليا في المؤسسة، والتي يجب أن تتبنى النقد البناء وتشجعه كأداة للتطوير، وليس كشكل من أشكال التمرد أو التحدي.
الخلاصة، أن الفضاء الصامت على المنشور العلني، والمليء بالمحادثات الخاصة، هو جرس إنذار يشير إلى فجوة ثقة تحتاج إلى جسر من الشفافية والتشجيع. فبيئة العمل الصحية ليست تلك التي تخلو من الأصوات الناقدة، بل هي التي تستمع إليها وتنمو من خلالها.