د.زكية محمد العتيبي
من عمق رؤيتنا المبصرة (رؤية المملكة العربية السعودية2030) تعلمنا من خلال الخطة التشغيلية لتلك الرؤية في (برنامج التحول الوطني) أنّ السياسات ليست مجرد أدوات إجرائية، بل رؤى حاملة للمعنى.
من هنا ينهض السؤال الأكبر الذي تصوغه الأمم في لحظات تحولها: ماذا نريد أن نكون؟ هذا السؤال ليس سؤالًا عابرًا في وثيقة؛ فهو لحظة وعي تتأمل فيها الذات مسارها، وتعيد ترتيب علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل.
في قلب هذا السؤال المنبثق من الرؤية تقف تخصصات الهوية ( اللغة العربية، والدراسات الإسلامية، والتاريخ، وعلم الاجتماع وغيرها من التخصصات التي تشكل هوية الوطن ) بوصفها النسيج العميق الذي تُصاغ فيه الإجابة.
هذه التخصصات ليست مقررات تُدرَّس وتخرج لسوق العمل فحسب، بل جذور تُغرس في وعي المواطن ، فكلما امتدت، ازداد تماسك المعنى، وكلما قُطعت، تهاوى البناء من داخله. فهي ذاكرة الأمة التي تحفظ سرديتها، ونبض وعيها الذي يقيها من الذوبان في سياقات متسارعة، وهي الأداة التي تعيد من خلالها قراءة ذاتها في كل منعطف تاريخي.
إنها تمثل ما يمكن تسميته (الطبقة العميقة للهوية) حيث تتشكل القيم، وأنماط التفكير، وتمثلات الذات والآخر، في سيرورة مستمرة من التشكل لا تعرف الثبات النهائي.
من هذا المنطلق، فإن المساس بهذه التخصصات لا يمكن أن يُقرأ بوصفه قرارًا إداريًا محدود الأثر، فهو انقطاع جريء في سلسلة المعنى الذي لابد أن يكتمل.
إن إيقاف القبول في هذه التخصصات يشبه إسكات صوت الحكاية في منتصف سردها؛ حيث يفقد المجتمع قدرته على تفسير ذاته، ويضعف وعيه بسياقه، ويختل توازنه في مواجهة العالم أمام جيل انفتحت أمامه كل الهويات وعليه أن يعرف موطئ قدمه بينها.
لذلك، فإن حضورها في كل جامعة سعودية ليس ترفًا معرفيًا، بل ضرورة وجودية تتسق مع روح الرؤية، التي لا تسعى إلى التقدم بمعزل عن الهوية، بل من خلالها وبها ومعها.
فهناك حقيقة لابد أن نستشعرها قبل اتخاذ أي قرار في هذه الفترة الحرجة من سياق التحولات العالمية؛ فلم تعد الصراعات تُدار فقط بالسلاح، بل بالخطاب والصورة والرمز، حيث تغدو الهوية ساحة تفاوض، لا يمكن خوضها إلا بوعي معرفي عميق؛ وهنا تتجلى أهمية هذه التخصصات في إعداد الإنسان القادر على قراءة الخطاب، وتفكيك الصور النمطية، وإعادة بناء تمثلات ذاته والآخر ضمن أفق إنساني متوازن.
وإذا كانت رؤية المملكة 2030 تمثل الإطار الاستراتيجي الذي يصوغ السؤال الكبير:
ماذا نريد أن نكون؟ فإن برنامج التحول الوطني يأتي بوصفه الأداة التي تجيب عن مرحلة تحويل الحلم إلى واقع ملموس: كيف نصير ؟ حيث تتحول الرؤية إلى أهداف مرحلية، ومبادرات تنفيذية، ومؤشرات أداء تقيس التقدم، فتنتقل الفكرة من مستوى التأمل إلى مستوى الفعل.
المسافة بين السؤال والجواب ليست فراغًا تقنيًا، بل فضاء يتشكل فيه الوعي؛ فهناك في تلك المسافة الدقيقة، تنمو الهوية بوصفها تجربة مُعاشة، لا شعارًا مرفوعًا، وهنا تقف تخصصات الهوية حارسةً للمعنى، شاهدةً على التحول، ومذكِّرةً بأنّ الأمم لا تبلغ غاياتها إلا حين تحمل جذورها بوعي، وتعيد صياغتها بلغة الحاضر دون أن تفقد جوهرها.
إن المستقبل لا يُبنى بقطيعة مع الماضي، بل بحوار عميق معه، ففي هذا الحوار، تكون هذه التخصصات هي الصوت الذي يمنح التحول شرعيته، ويمنح الرؤية روحها، ويجعل من السؤال بداية طريق، لا نهاية معنى.
أعيدوا لتخصصات الهوية هيبتها؛ فتعلمها فرض كفاية إذا قام به البعض سقط إثم تشتيت الهوية عن المجتمع.
** **
- أديبة وأكاديمية سعودية