أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
يثير النقد في كثير من البيئات حساسية تتجاوز حجمه الفعلي، وكأنه حكم نهائي لا يقبل المراجعة، أو شهادة قاطعة على قيمة الإنسان وعمله معًا، وأظن أن هذا التوتر ينشأ في الغالب من افتراضين متلازمين: افتراض أن النقد يحمل صفة الحقيقة المكتملة، وافتراض أن الذات في موقع يعلو على الخطأ، ومن اجتماع هذين التصورين تتكوَّن فجوة بين القول وسامعه، فيتحول الرأي إلى تهديد، وتتحول الملاحظة إلى خصومة.
النقد في جوهره رأي يصدر عن شخص، تحكمه خبرته، ومرجعيته، وذائقته، وسياقه الثقافي، هذه العناصر تمنح رأيه مشروعيته، كما تحدِّد حدوده، وحين يُفهم النقد ضمن هذا الإطار، يستعيد طبيعته البشرية، فيغدو جزءًا من حوار متحرك، لا نصًا منزلاً، الرأي هنا يمثِّّل صاحبه، ويعبِّر عن زاوية نظره، ويكشف عن معاييره، ويضيء مساحة من العمل قد يراها غيره بطريقة مختلفة، وبهذا الفهم يتراجع التوتر، ويحلّ محلّه فضول مشروع: ماذا رأى الناقد؟ ولماذا رأى ما رأى؟
في المقابل تتصل الحساسية المفرطة تجاه النقد بصورة الذات عن نفسها حين تُبنى العلاقة مع العمل على أنه امتداد كامل للشخص، يصبح التعليق على العمل تعليقًا على الكيان كله، ومن هنا تنشأ الرغبة في الدفاع لا في الفهم، غير أن التجربة الإنسانية تقوم على التعلُّم عبر المحاولة والخطأ، وعلى التدرج في الاكتمال، وعلى مراجعة المسار كلما ظهرت إشارة تستحق التأمل، فتذكُّر قابلية الخطأ يفتح بابًا واسعًا للتعامل الهادئ مع الملاحظات، ويحوّلها من طعن إلى فرصة نظر.
في البيئة الأكاديمية تتكرر هذه الإشكالية بوضوح، فالطالب الذي يقدِّم رسالته يرى فيها حصيلة جهد سنوات، ويشعر بأن كل ملاحظة تمسّ تعبًا شخصيًا، غير أن المناقش وهو يقرأ العمل ينظر إليه بوصفه نصًا علميًا قابلًا للتحسين، ويقيسه بمعايير منهجية، ويقترح تطويرًا في البناء أو الاستدلال، حين يفصل الطالب بين ذاته وبين نصه، يكتشف أن الملاحظات لا تنتقص من جهده، بل تساعده على صقله، وأن الحوار العلمي يهدف إلى الارتقاء بالبحث لا إلى تقويض صاحبه.
وفي المجال الأدبي يتجلَّى الأمر بوضوح أكبر، فالشاعر أو الروائي يحمِّل نصه عاطفته وتجربته، ويرى فيه جزءًا من صوته الخاص، الناقد في المقابل يتعامل مع النص بوصفه بنية قابلة للتحليل، ويشير إلى مواضع القوة والقصور وفق معايير فنية، إذا فُهم النقد بوصفه قراءة من قراءات متعددة استقام الحوار، وتعددت زوايا النظر، وازداد النص ثراءً عبر التفاعل، أما إذا عُدّ النقد حكمًا نهائيًا على الموهبة، تحوّل النقاش إلى مواجهة شخصية، وانصرف الطرفان عن جوهر العمل.
ولا يقتصر الأمر على الحقول الأكاديمية أو الأدبية؛ فالنقد حاضر في تفاصيل الحياة اليومية، قد يوجّه أحد أفراد الأسرة ملاحظة بدافع الحرص، فيُستقبل القول بحساسية مفرطة، وفي بيئة العمل قد يشير المدير إلى خلل في الأداء، فيُفهم التنبيه بوصفه انتقاصًا، وفي المجال الاجتماعي يتبادل الناس آراء حول سلوك أو قرار، فتختلط النصيحة بالعتاب، وفي جميع هذه المواقف يتحدد أثر النقد بطريقة تلقيه أكثر مما يتحدد بمحتواه.
إن التعامل الصحي مع النقد يتطلب تمييزًا دقيقًا بين مستويين: مستوى الفكرة المطروحة، ومستوى الشخص الذي يطرحها، فالفكرة تُناقش، وتُقبل أو تُراجع، والشخص يُحترم بوصفه شريكًا في الحوار، هذا الفصل يحفظ كرامة المتحاورين، ويمنح الفكرة مجالها الطبيعي، كما يتطلب الأمر تدريبًا داخليًا على الإصغاء قبل الرد، وعلى تأجيل الدفاع ريثما يتضح وجه القول، وعلى الاعتراف بأن زاوية نظر الآخر قد تكشف ما غاب عنّا.
كما تقع على الناقد مسؤولية موازية؛ فالنقد حين يُصاغ بوعي، ويستند إلى معايير واضحة، ويُقدّم بلغة رصينة، يفتح باب التفاهم، أما حين يُغلف بالتحقير أو الاستعراض، فإنه يفقد قيمته، ويغلق أبواب الحوار، الرصانة هنا لا تعني المجاملة، بل تعني الدقة والعدل، وتجنب التعميم، وتحديد موضع الملاحظة دون توسّع غير مبرر.
تتسع الحياة بالنقد حين يُفهم على أنه عنصر من عناصر النمو، ويضيق صدرها به حين يُحمّل ما لا يحتمل، الرأي يتغير، والتجارب تتطور، والإنسان يتعلم عبر مراجعة ذاته، وفي كل مستوى من مستويات العيش، من قاعة المناقشة إلى منصة الشعر، ومن المكتب إلى البيت، يبقى النقد ممارسة إنسانية تشبه الحوار، تقوم على الأخذ والرد، وعلى الاعتراف بأن الكمال مقصد يُسعى إليه، وأن الطريق إليه يمر عبر النظر المتبادل، لا عبر التحصُّن خلف يقين مغلق.