يحيى العلكمي
ليست أزمة المسرح الجاد كامنةً دائمًا في ضعف النص أو هشاشة العرض، وإنما كثيرًا ما تتبدى في المسافة الشائكة بين العمل ومتلقّيه؛ تلك المسافة التي تتراوح بين إغراء الاكتشاف، ونفور الغموض، وبين الدهشة الخلّاقة والتعمية التي تغلق أبواب الفهم. فالمسرح، منذ تحوّله من الحكاية المباشرة إلى التجريب والرمز والتفكيك، صار يطالب المتلقي بأن يكون شريكًا في إنتاج المعنى، لا مستهلكًا سلبيًا لما يُعرض أمامه.
لقد رأى «هانس ياوس» أن العمل الفني لا يكتمل إلا عبر أفق التوقع لدى المتلقي، وأن قيمة الأثر تكمن في قدرته على خلخلة ذلك الأفق أو توسيعه. غير أن هذه الخلخلة، حين تبلغ حدّ القطيعة التامة، قد تُفضي إلى عزلة العمل بدلًا من انفتاحه؛ فبعض العروض المسرحية الحديثة تنزع إلى بناء نصوص غرائبية شديدة الانغلاق، تعتمد على الإحالات الفلسفية الكثيفة، واللغة المواربة، والصور البصرية المتشابكة، حتى يغدو المتلقي واقفًا أمام العرض كما لو أنه أمام طلسمٍ لا يملك مفاتيحه.
من هنا تبرز الإشكالية: هل ينبغي للمسرح أن يظل وفيًّا لحقه في التجريب، ولو على حساب الفهم؟ أم أن عليه أن يرعى المتلقي ويقوده تدريجيًّا إلى أدوات قراءة أكثر عمقًا؟ لقد كان «بريشت» يرفض المسرح الذي يكتفي بإغراق الجمهور في الانفعال، داعيًا إلى مسرح يُعلّم المتفرج كيف يفكر. غير أن بريشت نفسه لم يكن يطالب بإلغاء المتلقي أو إقصائه، وإنما كان يضع له علاماتٍ على الطريق؛ يوقظه بدلًا من أن يتركه تائهًا.
في الاتجاه نفسه، كان بيتر بروك يرى أن العرض المسرحي الحق هو الذي يخلق جسرًا خفيًا بين الخشبة والصالة، وأن أكثر العروض تعقيدًا تظل قادرةً على الوصول إذا امتلكت صدْقها الداخلي وأدواتها الواضحة. إذ الغموض ليس قيمةً جمالية في ذاته، وإنما يصير كذلك حين يكون ضرورة فنية، لا حجابًا يخفي ضعف الفكرة أو اضطراب البناء.
إن من واجب المسرح الجاد ألّا يهبط إلى مستوى التبسيط المخلّ، كما ليس من حقه أن يتعالى على جمهوره باسم النخبوية. والمطلوب -في تقديري- أن يعمل المسرح على ترقية أدواته التعبيرية من جهة، وعلى تدريب المتلقي تدريبًا غير مباشر من جهة أخرى؛ عبر التدرج في البناء، والإشارات الدالّة، والبرامج المصاحبة، والندوات، والاشتغال على ذائقة الجمهور عبر الزمن.
المتلقي لا يولد جاهزًا، كما أن الفن العظيم لا يولد واضحًا تمامًا، وبين الطرفين تنشأ تلك العَلاقة الدقيقة التي تجعل المسرح فعلًا حيًا، لا مجرد عرضٍ يُرى ثم يُنسى.
** **
- مسرحي سعودي