علي حسين (السعلي)
للشعراء والأدباء والفلاسفة والإعلاميون مصطلحات يعرفها كل مَنْ يقترب منهم. ولم أبحث – ولن أبحث – عن مدى صدق تلك المسميات أو الألقاب أو المبالغة فيها، لكنها حتماً تحتاج من الباحثين نزولاً وقراءةً وعمقاً لمعرفة كنهها؛ فهناك على سبيل المثال: الإعلامي، والأديب، والمفكر، والباحث.
لكن، ربما من وجهة نظري، أصدقها هي: الشاعر، والقاص، والصحافي؛ فعندما نريد استنزال بحثنا عن مفردة «الوردة» لديهم، ربما نجد تقارباً أو اختلافاً. فهيا معي نرتقي مركبة القراءة «السُّعلية» بعد أن نربط حزام أفكارنا، وننطلق باسم الله مجراها وعلى بركة الله مرساها:
يقول الجميع مثلاً: «صباح الخيرات».
بينما يقول الإعلامي: «صباح الفل سيداتي سادتي».
والأدباء: «صباح النور والسرور والطائر البلور».
والشعراء: «صباح اليوم وأمس يا قمري وشمس، صباح النور والبخور والورد على الخدين منثور».
أما المفكرون: «صباح الكادي أولاً وبادئاً، صباح الشوق والأسن يا أجمل وطن».
ولن أميز تعريفاً عن تعريف، ولا تفضيله بقولنا: «هذا أفضل وذاك أجمل»، فلكلٍ منها شرعته واستخداماته ومنهج فكره. حتى كتاب القصة لهم مفرداتهم عن الورد؛ من حيث صنع حكاية وردية لصباح نرجسي ونيلوفر زاهٍ أرجواني.
فلنذهب إلى «الوردة» كمفردة، وكيف يتناولها الشعراء وهم لقلبي أصدق رغم جمال «كذبهم»؛ وكما قيل: «أعذب الشعر أكذبه». عموماً، يكاد يجمع الكل على جمال الورد وروعته، إلا ابن الرومي فله رأي آخر؛ فقد هجاه قائلاً:
يَا مَادِحَ الوَرْدِ لا تَنْفَكَّ عَنْ غَلَطٍ
أَلَسْتَ تَنْظُرُهُ في كَفِّ مُلْتَقِطِهْ
) كَأَنَّهُ سُرْمُ بَغْلٍ حِينَ يُخْرِجُهُ
عِنْدَ البَرَازِ وَبَاقِي الرَّوْثِ في وَسَطِهْ
والأعجب أن ابن المعتز رد عليه قائلاً:
غَلِطْتَ وَالمَرْءُ قَدْ يُؤْتَى عَلَى غَلَطِهْ
يَا هَاجِيَ الوَرْدِ لا حُيِّيتَ مِنْ رَجُلِ
هَلْ تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئاً مِنْ أَزَاهِرِهَا
إِذَا تَحَلَّتْ يُحَاكِي الوَشْيَ في نَمَطِهْ
لأختم بأبي دلف الذي كان صادقاً في حبه للورد إذ قال:
أَرَى وُدَّكُمْ كَالْوَرْدِ لَيْسَ بِدَائِمٍ
وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لا يَدُومُ لَهُ عَهْدُ
وَحُبِّي لَكُمْ كَالآسِ حُسْناً وَنَضْرَةً
لَهُ زَهْرَةٌ تَبْقَى إِذَا فَنِيَ الْوَرْدُ
وأنا في بحثي عن مفردة «الورد» وجدت ما أنقله لكم:
«في القرن السابع عشر، كان الناس مدركين لأهمية الزهور والنباتات لارتباطها بالعادات القديمة لديهم. ونُقلت لغة الزهور إلى شواطئ أوروبا، ونُشر أول قاموس خاص بلغة الزهور في باريس عام 1818، وأعيد طبعه 18 مرة، وأُخذت هذه القواميس الفرنسية إلى إنجلترا وإسبانيا عبر عمليات القرصنة. وفي العهد الفيكتوري، كانت السيدات يشغلن وقت فراغهن وطاقتهن بزراعة الحدائق والزهور. وبالرغم من أن بعض مؤلفي هذه الكتب أشاروا إلى أن منبع تلك المعاني آتٍ من الشرق الأوسط، إلا أنهم لم يتطرقوا إلى تفاصيل تلك المعاني».
نعم، نحن نعشق الورد منذ نعومة أظفارنا، بل تربينا على محبته، ولا يكاد يخلو بيت عربي من «مزهرية» على طاولة إلا وهي تتضوع أزهاراً عبقة، وورداً يملأ المكان روعة وعطراً!
الورد عند الغرب وفلاسفته
يقول سقراط: «بالفكر يستطيع الإنسان أن يجعل عالمه من الورد أو من الشوك».
وقال فيكتور هوجو: «في قلبي زهرة لا يمكن لأحد أن يقطفها».
وفي الصين هناك مثل شعبي يقول: «يلتصق أريج الزهرة باليد التي تقدمها».
أما الفرنسيون فيقولون: «الطريق المفروشة بالورد لا تقود للمجد».
في الشعر الإنجليزي
لم ينجُ الشعراء الإنجليز من فتنة الورد وسحره، وسأكتفي بهذا المقطع للشاعرة دوروثي باركر:
«وردة مثالية واحدة.. لم يرسل لي إلا وردة واحدة منذ التقينا، لكنه اختار رسولة حبه بذوق رهيف؛ عميقة العاطفة، نقية، فواحة الندى، مخضلة.. وردة مثالية واحدة».
الورد في الشعر العربي
يقول محمد بن الطيب مرحباً بقدوم الربيع:
وَرَدَ الرَّبِيعُ فَمَرْحَباً بِوُرُودِهِ
وَبِنُورِ بَهْجَتِهِ وَنَوْرِ وُرُودِهِ
وَبِحُسْنِ مَنْظَرِهِ وَطِيبِ نَسِيمِهِ
وَأَنِيقِ مَبْسَمِهِ وَوَشْيِ بُرُودِهِ
فَصْلٌ إِذَا افْتَخَرَ الزَّمَانُ فَإِنَّهُ
إِنْسَانُ مُقْلَتِهِ وَبَيْتُ قَصِيدِهِ
«سطر وفاصلة»
من أجمل ما كُتب عن الورد ويردده العشاق، أن ما تقدمه للمحبوب له معنى في اختيارك للونه وأيضاً لعدد الوردات؛ فالوردة الواحدة تقول: «أنت كل شيء في حياتي»، والاثنتان: «أتمنى أن أسافر معك وحدك»، والثلاث: «أريد رؤيتك مرة أخرى»، أما الست وردات: «أشك في حبك لي»، والسبع: «أحبك»، أما العشر فهي دعوة للزواج.