د.عوض بن إبراهيم ابن عقل العنزي
تقوم الأبحاث العلميَّة الأكاديميَّة على قوَّةِ (الإشكال العلمي)، وفي سبيل إبرازه وتأسيس البحث عليه تكون المقدّمة موضع عناية الباحث ومحطّ أنظار القرّاء، وتتباين أساليب الباحثين في افتتاح مقدّمات أبحاثهم بين افتتاحٍ أنيقٍ وآخر ضعيف ركيك؛ ومن الأساليب الضعيفة في افتتاح المقدّمة تأسيس منطق الكتابة على البدهيّات؛ كأن يقول باحثٌ: تُعدّ المرويّات النثريّة عن محبوبات الشعراء من المصادر الأدبيّة المهمّة التي تسهم في رسم صورة المحبوبة والحبّ. ثم يُرتّب على هذه البدهيّة دعواه في البحث.
وهذا التأسيس للانطلاق تأسيسٌ على أمرٍ لا يُعدُّ خطأ، لكنّه لا يقدّم شيئًا يدفع إلى الانتباه أو تكثيف العناية من القارئ بما يُعرض عليه، ومن هنا كان التأسيس على البدهيّات إضعافًا لجوهر المقدّمة.
فالمقدمة في الكتابة الأكاديميّة موضع رعاية رعناية، بل إذا قسناها بالقصيدة وجدنا المقدّمة والاستهلال والافتتاح والمطالع تقع في رأس مواضع التأنُّق عند البلاغيين والنقَّاد، وما ذاك إلا لأنَّها أول ما يمازج السمع ويقع في القلب.
وحينئذٍ يجدر بالباحث أن ينطلق من جملةٍ يستخلصها من جوهر الإشكاليّة العلميّة التي يكتب فيها؛ كأن يقول: تطرح المرويّات النثريّة حول محبوبات الشعراء العرب إشكاليّةً مزدوجةً؛ فهي من جهةٍ نصوصٌ أخبارية تمتح من التاريخ وثائقيته، ومن جهةٍ أخرى تتقاطع مع الشعر في تشكيل صورة المحبوبة، ممّا يجعلها موضعَ تصادم عند القارئ بين التاريخيّ والتخييليّ، وبين الشهادة والصناعة. فيلتقي بالتأسيس على (الإشكال العلمي) في التمهيد للكتابة الأكاديمية وصف الظاهرة بإثارة الإشكال مع بناء المدخل على تثويرٍ معرفيّ يستنهض القارئ، بخلاف التأسيس للكتابة الأكاديمية على مسلَّمةٍ تُسكِنه.
ولعل فيما سبق ما يبيّن الفرق بين التأسيس على البدهيّة في موضع الافتتاح، والاحتجاج بالبدهيّة في موضع الاستدلال؛ فالبدهيّة حجّةٌ من أعلى الحجج في مراتب اليقين غير أنّ الابتداء بها لا يناسب تدريجَ القارئ في بحثٍ مبنيٍّ في أساسه على إشكاليّةٍ لا بدهيّة.