محمد العبدالوهاب
لم أعتد أن أجعل من مدخل مقالي سؤالًا، لولا تلك اللحظة الآنية التي زاحمني فيها الفضول، في ساعة صفاء، وجعلتني أطرق باب السؤال: هل يحتاج الكتاب إلى يوم عالمي للاحتفاء به؟ أم هو عالم يجعلنا نعيش في بطونه لاكتساب الفكر والمعرفة؟
على اعتبار أن للكتاب مكانةً حاضرةً وباقيةً تدوم، لا تنتظر منا أي يوم أو مناسبة للاحتفاء به، أو من يزاحمه في الحضور والاحتفال، حتى في هذا العصر التقني المثير والمؤثر؛ عصر الرقمنة وسرعة وصول المعلومة وسهولة الحصول عليها من خلال منصات الأنظمة الرقمية أو الألواح الذكية التي تتطلب منا الاتصال بالمواقع لنصل إلى ما نريد. فالكتاب يظل كالجبل الأشم، التقنية الوحيدة التي تطلب منا الانعزال بها لنتصل.
بيد أنه يُملي علينا وتيرةً زمنيةً هادئة، وهذا بحد ذاته فعل مقاومة ضد تشتت العصر، وتهدئة لإيقاع الحياة في مقابل نسقها السريع.
فمهما استطاع الذكاء الاصطناعي معالجة ملايين الكتب في ثوانٍ، إلا أنه يبقى جامدًا لا يعيش التجربة، بعكس الكتاب الذي يمنح القارئ المعرفة المختمرة التي امتزجت بمشاعر كاتبها وتجاربه وعرقه.
لذا، ومهما قدمت لنا التقنية الرقمية –مشكورة– الإجابة، يظل الكتاب –طيب الذكر– يعلمنا كيف نتساءل!
فهو نفسٌ بشريّ، والقراءة فيه عملية تخاطر عبر الزمن؛ فنحن لا نقرأ مجرد كلمات، بقدر ما نلامس وعي إنسان آخر، وهذا الاتصال الوجداني هو ما يفتقده العالم الرقمي مهما بلغ تطوره.
نعم، التقنية الرقمية أسرع، لكن الكتاب أعمق؛ فتلك تعطينا ما نحتاج إلى معرفته الآن، وهذا يعطينا ما نحتاج أن نكونه دائمًا، لأنه يظل الخلوة الأخيرة التي لا تقتحمها الخوارزميات، والوثيقة التي تأبى المحو أو التعديل بضغطة زر.
إن الجلوس مع الكتاب يشبه تمامًا رشفة قهوة عتيقة؛ فكلاهما يحتاج إلى تمهّل لإدراك كنهه، وكلاهما يمنحنا أصالة المذاق في عالم استهلاكي باهت.
فبينما تغرقنا الشاشات بفيضان من المعلومات السائلة، يبقى الكتاب هو الأرض الصلبة، والوعي الذي لا يشيخ؛ نعود إليه لنستعيد أنفسنا، ونقرأ فيه ما نحتاج أن نكونه دائمًا، لا ما يُمليه علينا ضجيج اللحظة.
أعود وأقول:
يبقى الكتاب هو المرجع الأخير للأصالة؛ فهو الوثيقة التي لا تملك الخوارزميات سلطة تعديلها أو حذفها، مما يمنحه ثباتًا تاريخيًا يحمي الوعي البشري، ويمنحنا الحقيقة الراسخة كمصدر نرده لضمان صفاء وموثوقية الفكر في عصر البيانات المُصنَّعة.