خالد محمد الدوس
منذ عهد العلامة «ابن خلدون»، واضع أسس علم الاجتماع بمسماه القديم «علم العمران البشري» قبل أن يأخذ الصبغة الأكاديمية ويتحول إلى مسماه الحديث (علم الاجتماع) على يد عالم الاجتماع الفرنسي «أوجست كونت»، ورفيقه العالم «إميل دوركهايم»، وهو العلم الوحيد الذي يمنح المجتمعات مرآة صادقة تعكس عيوبها قبل مزاياها..!! هذا العلم الحّي المتفّرع ليس رفاهية فكرية، بل هو بوصلة توجيه ورقيب صادق على العلاقات الإنسانية المعقدة. الأبحاث والدراسات التي يقدمها تكشف لنا عن أسباب التفكك الأسري، وجذور البطالة، وأصول العنف المجتمعي، وينابيع الفساد ومظاهره.. بل وتقترح الحلول قبل فوات الأوان..!
لكن الأجمل في علم الاجتماع.. هذا العلم التراكمي المتجدد «بروحه الديناميكية» الذي يدرس المجتمع: بناءه، مؤسساته، علاقاته، صراعاته، تحولاته، وقيمه ومعاييره الاجتماعية السائدة، أنه ليس (علمًا جامدًا)، بل هو كائن حي «يتنفس ويتطور».. فهو العلم الوحيد في العلوم الإنسانية والاجتماعية الذي يواكب التغيرات الاجتماعية بسرعة البرق، ويُلاحق الظواهر المستجدة في مجتمعاتنا الحديثة. كلما ظهرت مشكلة جديدة، استنفر علم الاجتماع أبناءه ليبتكروا فرعًا جديدًا يتخصص فيها، وهنا سنتوقف عند محطة بعض التخصصات التي تولد من «رحم الظواهر الاجتماعية» على سبيل المثال لا الحصر:
* علم اجتماع الفساد لتحليل جذور المحسوبية والرشوة وكيفية مكافحتها.
* علم اجتماع المرأة لفهم التحولات الكبرى في دورها الأسري والمهني والقيادي.
* علم اجتماع البيئة لدراسة علاقة الإنسان بالأرض وتلوثها، بما يخدم رؤى الاستدامة.
* علم اجتماع الرياضة لاستكشاف ظاهرة التعصب، والاستثمار الرياضي، ودور الأندية في تشكيل الهوية.
- علم اجتماع الذكاء الاصطناعي: لدراسة العلاقة التفاعلية بين المجتمع والتقنية وتأثير الذكاء الاصطناعي على البنُى والهياكل الاجتماعية.
وهكذا يمتد هذا العلم (الدائم الإخصاب).. ليشمل ميادين لا حصر لها: علم اجتماع الصحة، علم اجتماع الإعلام، علم اجتماع الجريمة وعلم الاجتماع الرقمي.. والقائمة تمتد لأكثر من ثلاثين حقلاً... وبالتالي فهو يواكب كل تحدٍ معاصر ويرسم له منهجًا علميًا للحل. بينما بعضهم هنا (يُقلص) حضوره..!!، نرى جامعات العالم تُنشئ له المعاهد المتخصصة ويدعم بميزانية خاصة مقابل مخرجاته ومعطياته الثرية والغنية في ميدان البحث العلمي الاجتماعي.
أما في العالم، فتدرك كبرى الجامعات هذه الحقيقة جيدًا. فجامعة (هارفارد) الأمريكية التي بلغ عمرها التأسيسي ما يقارب (أربعة قرون زمنية) وهي التي تأسست عام 1636 وتعد أقدم مؤسسة للتعليم العالي في الولايات المتحدة الامريكية وصنفت عام 2025م ضمن أفضل جامعئات العالم (المرتبة الرابعة عالمياً).. لا تزال تُدرج (علم الاجتماع) ضمن أعمدة علومها الإنسانية، وتنفق عليه الميزانيات الضخمة، وكذلك (جامعة أكسفورد) البريطانية العريقة التي تأسست عام 1096م،وتعد عميدة الجامعات العالمية (عمراً وبحثاً وتطبيقاً)..! ترى في هذا العلم ركيزة أساسية لفهم التحولات الاجتماعية في بريطانيا والعالم. لماذا تمسكت هذه الجامعات وغيرها بهذا العلم (المتعاقب التكاملي)..؟!! لأنهم يعرفون أن المجتمعات التي تتخلى عن (ابنها) البار سرعان ما تتخبط في حل مشكلاتها دون منهجية علمية رصينة..!! فحين نقول علم الاجتماع «الابن البار» الذي يخدم مجتمعه المعاصر ليس بالخطب الحماسية..! بل بالفهم العميق، والتحليل الموضوعي، والاستعداد لسماع التساؤلات المزعجة قبل أن تتحول إلى أزمات مدمرة، ومعضلات حالكة..! فهذا العلم النامي المتجدد من أهميته المعيارية والوجودية.. يقوم بوظائف أمنية منها: الإنذار المبكر.. الأمن التقليدي يتعامل مع الاحداث بعد وقوعها، علم الاجتماع يقرأ المؤشرات المبكرة: ارتفاع البطالة بين فئة عمرية محددة، تحول في القيم لدى الشباب، تنامي الإحباط في منطقة معينة، هذه المؤشرات لا تظهر -كخطوة استباقية - إلا في الدراسات الاجتماعية الرصينة، أيضاً قياس فاعلية السياسات، كيف تعرف الدولة أن سياستها التنموية تحقق أهدافها اجتماعيا..؟ علم الاجتماع يقدم أدوات القياس: استبيانات الرضا، مؤشرات التماسك الاجتماعي، تحليل أثر السياسات على الفئات المختلفة. هذا بجانب أن الأمن الوطني ليس فقط حماية الدولة من أعدائها! بل بناء مواطن لا يشكل تهديدا لنفسه أو لمجتمعه.. علم الاجتماع بمناهجه ونظرياته وأبحاثه ومقوماته العلمية يسُهم في فهم كيف تتشكل قيم الانتماء والمواطنة، وتأصيل الولاء للمجتمع المعاصر.
ولذلك، حين نطرد علم الاجتماع من منازلنا الأكاديمية، فإننا بذلك نطرد الأداة الوحيدة القادرة على بناء مجتمع واعٍ ومتماسك. بل نطرد العلم الأكثر مرونة وقدرة على مواكبة كل ظاهرة معاصرة، من الفساد إلى البيئة إلى الرياضة إلى عالم الذكاء الاصطناعي. نحن بحاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار لهذا «الابن البار»، ودعمه بالمراكز البحثية والكليات المتخصصة، فلنتعلم من هارفارد وأكسفورد، ليس في تقنياتهما فقط، بل في تمسكهما بالعلوم التي تصنع الإنسان أولاً. علم الاجتماع ليس ترفًا فكريا، بل هو قاطرة التخطيط الاجتماعي السليم، ومستشفى متنقل لكل العلل والمثالب المستجدة في المجتمعات المعاصرة.!
حقيقة:
علم الاجتماع ليس رفاهية أكاديمية، ولاكمالية ثقافية.. بل «هندسة اجتماعية ناعمة».. تبني المجتمعات من الداخل.