ندى بنت محمد النبهان
إن النظرة السائدة للعلاج هي أنه مجرد دواء يُوصَف، أو إجراء يُتّخَذ، أو جهاز يُستخدم، غير أن جانبًا آخر منه لا يقل أثرًا عن ذلك كله، وهو: (الكلمة)؛ فالمريض لا يدخل المؤسسة الصحية بجسده وحده، بل يدخل أيضًا بخوفه، وقلقه، وتوقعاته، وحاجته الماسّة إلى الطُّمأنينة، وهنا تصبح اللغة جزءًا من الرعاية، لا مجرد وسيلة تواصل عابرة.
وفي البيئة العربية، تكتسب الكلمة بُعدًا أعمق؛ لأن العربية ليست لغة إخبار فحسب، بل لغة مشحونة بالقيم الاجتماعية والوجدانية والدينية. ولهذا، فإن عبارة قصيرة تُقال في وقتها المناسب قد تخفّف توترًا شديدًا، وتُعيد للمريض شيئًا من اتزانه النفسي.
إن الكلمة لا تشفي المرض العضوي بالمعنى المباشر، لكنها قد تهيّئ النفس لتقبُّل العلاج، وتُخفّف القلق المصاحب له، وتزيد ثقة المريض بالفريق الصحي، فهي - من وجهة نظري - علاجٌ مُكَمِّل.
والمريض المطمئن -غالبًا- أقدر على الالتزام بالخطة العلاجية، وأكثر تعاونًا، وأهدأ في مواجهة الألم والإجراءات الطبية؛ فالفرق بين أن يُقال للمريض: «انتظر» فقط، وأن يُقال له: «انتظر قليلًا، نحنُ معك، وسننهي الأمر بإذن الله»، ليس فرقًا لغويًّا يسيرًا فحسب، بل هو فرق أيضًا في الإحساس بالأمان.
واللغة العربية تتميز بوفرة العبارات التي تحمل معنى المواساة والدعم من دون تكلّفٍ، ومن ذلك:
• «سلامتك»: لا تقتصر على الدعاء، بل تحمل اعترافًا بمعاناة المريض، وتمنيًّا بزوالها.
• «لا بأس عليك»: جملة قصيرة تمنح شعورًا بأن الأمر يسير، ويُمكن تجاوزه بحول الله.
• «طهور إن شاء الله»: تربط الألم بمعنىً إيجابيٍّ يخفّف وقعه النفسي.
• «أبشر بالخير»: تبعث الأمل، وتفتح باب التوقّع الحسن.
• «نحن معك دومًا»: تعطي المريض شعورًا بالمساندة والدعم، وعدم إحساسه بالوحدة والعزلة.
فهذه العبارات ليست بديلًا عن الحقيقة الطبية، لكنّها بمثابة جسرٍ إنسانيٍّ يصل بين (المعلومة الجافة)، و(النفس القلقة).
والكلمة أيضًا قد تؤذي إذا استُعمِلت بغير وعي؛ فبعض الألفاظ الحادّة قد تزيد خوف المريض، وتشعل قلقه، مثل: تضخيم النتيجة، أو الإلقاء المفاجئ للتشخيص من دون تمهيد، أو استخدام مصطلحات طبية معقّدة لا يفهمها المريض. وقد يُقال للمريض كلامٌ صحيح من الجانب العلمي، لكنّه قاسٍ من الناحية الإنسانية، وهنا تظهر الحاجة إلى الموازنة بين (صدق المعلومة)، و(حسن عرضها).
إن الطبيب، والممرض، وموظف الاستقبال، وكل مَن يتعامل مع المريض، يمارسون أثرًا نفسيًّا عن طريق اللغة؛ فالابتسامة مع عبارة مهذبة، والشرح الواضح، والإنصات، وانتقاء الألفاظ الهادئة؛ كلها عناصر علاجية مساندة. ولا أعني تزييف الواقع، أو إعطاء وعود غير صحيحة، بل أن تُقال الحقيقة بلُغة مطمئنة لطيفة، تحفظ نفس المريض، وتعينه على ما يمرّ به.
وكثيرٌ من المرضى -شفاهم الله وعافاهم- يتلقّون الدعم النفسي بصورة أفضل حين يُخاطبون بلُغتهم الأم، وهذا أمر مهم جدًّا، خاصةً أننا في المملكة العربية السعودية، والعربية هي اللغة الرسمية للدولة، واللغة الأقرب إلى فهم غالبية المراجعين والمرضى، لا سيّما في المواقف التي تتطلّب وضوحًا تامًّا ودقةً في إيصال المعلومات.
إن استعمال اللغة العربية في الاستقبال، والتشخيص، وشرح الإجراءات، والإرشادات العلاجية، يُسهم في تقليل سوء الفَهْم، ويُعزّز ثقة المريض بالمؤسسة الصحية، ويرفع مستوى الأمان الطبي وجودة الخدمة، وحضور اللغة العربية في البيئة العلاجية يُرسّخ الهُوية الوطنية، ويجعل الرعاية الصحية أكثر قربًا من الناس، وأكثر استجابةً لحاجاتهم اللغوية والنفسية.
وفي الختام..
إن الكلمة لا تغني عن الدواء، لكنّها قد تجعل الدواء أيسر قبولًا، والألم أهون احتمالًا، والخوف أقل سطوةً. واللغة العربية تمتلك رصيدًا واسعًا من عبارات المواساة والطمأنة التي يمكن أن تتحول إلى جزء أصيل من الرعاية الصحية.
فإذا كان الطبُّ يُعالج الجسدَ، فإن الكلمةَ الطيبةَ تُسعِف النفسَ، والنفس إذا هدأَت أعانت الجسدَ على الشفاء.