عمرو أبوالعطا
يمثل الدكتور غازي بن عبد الرحمن القصيبي، ذلك الاسم الذي خرج من دفء الأحساء عام 1940، حالة نادرة في التاريخ السعودي الحديث، رجل جمع بين الإدارة والثقافة والفكر، وترك بصمته في أكثر من ميدان. كان مسؤولاً يتعامل مع الشأن العام بعقل منظم، وأديباً يفتح للغة آفاقاً رحبة، ومفكراً يستشرف المستقبل قبل أن تتضح ملامحه.
وُلد القصيبي في مدينة الهفوف بالأحساء، في بيئة عُرفت تاريخياً بتعددها الثقافي والتجاري، حيث تتقاطع الطرق والأسواق والأفكار، فتنشأ الشخصية منذ بداياتها على إدراك الاختلاف لا الخوف منه. فقد والدته بعد تسعة أشهر من ولادته، وهو حدث شكّل في وجدانه حساسية مبكرة تجاه الفقد، وأكسبه عمقاً إنسانياً ظهر لاحقاً في لغته الشعرية ونبرته التأملية، وفي نظرته إلى الإنسان بوصفه مركز التجربة لا هامشها. كما توفي والده عبد الرحمن القصيبي عام 1976م، وكان عمر غازي القصيبي حينها 36 عاماً.
بدأ تعليمه في البحرين، حيث تلقى أولى مراحل تكوينه العلمي في بيئة تعليمية أكثر انفتاحاً، أتاحت له الاطلاع على مناهج حديثة مقارنة بسياقه المحلي.
ثم انتقل إلى القاهرة في أواخر الخمسينيات، والتحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، في لحظة كانت فيها المدينة مركزاً للفكر العربي الحديث، تتقاطع فيها القومية والاشتراكية والوجودية والتيارات الإسلامية، وتتشكل فيها أسئلة النهضة العربية الكبرى. لم تكن القاهرة بالنسبة له مؤسسة تعليمية فقط، بل مختبراً فكرياً وثقافياً، قرأ فيه التراث العربي، واحتك بالمثقفين، وشارك في النقاشات العامة التي صاغت وعي جيل كامل.
واصل مسيرته الأكاديمية في الولايات المتحدة عبر جامعة جنوب كاليفورنيا، ثم في بريطانيا بجامعة لندن، حيث حصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية. هناك تشكلت لديه رؤية منهجية حول الدولة الحديثة، تقوم على مركزية المؤسسات، وفعالية الإدارة، ودور المعرفة العلمية في صناعة القرار، إضافة إلى أهمية الحريات العامة في تحفيز الإبداع المجتمعي. وقد جمع في تكوينه بين النموذجين الشرقي والغربي، دون أن ينغلق على أحدهما، أو يتخلى عن انتمائه الأول.
عند عودته إلى المملكة، اتجه مباشرة إلى العمل العام، متنقلاً بين مواقع أكاديمية وإدارية، قبل أن يدخل مرحلة المناصب الوزارية في لحظات مفصلية من تاريخ التنمية السعودية. وفي هذا السياق تبلورت تجربته التي وثقها لاحقاً في كتابه الأشهر حياة في الإدارة، وهو ليس مجرد مذكرات، بل بيان إداري متكامل يقدم تصوراً للقيادة يقوم على المسؤولية، والشفافية، والصرامة المهنية، والبعد الأخلاقي للعمل العام.
تقوم فلسفته الإدارية على أربعة محاور مركزية؛ الشفافية في مواجهة القرار، والوضوح في الخطاب الإداري، ومحاربة البيروقراطية بوصفها عائقاً أمام التنمية، والاستثمار في الإنسان بوصفه المورد الأول للدولة. أضاف إلى ذلك مبدأ الجرأة في اتخاذ القرار، حتى في مواجهة مراكز النفوذ التقليدية، إذا تعارضت مع المصلحة العامة أو تعطل بسببها مسار التطوير.
في وزارة الصناعة والكهرباء، اتجه إلى بناء قاعدة اقتصادية حديثة تتجاوز الاعتماد على النفط الخام، فكان من أبرز المشاركين في تأسيس شركة سابك التي أصبحت لاحقاً إحدى أكبر شركات البتروكيماويات في العالم، كما عمل على إعادة هيكلة قطاع الكهرباء عبر دمج الشركات المتفرقة في كيان موحد أكثر كفاءة، بما يضمن استقرار البنية التحتية للتنمية الصناعية والعمرانية.
وفي وزارة الصحة، اعتمد أسلوب الرقابة الميدانية المباشرة، فقام بجولات مفاجئة على المستشفيات، وواجه مظاهر القصور الإداري، واتخذ قرارات بإقالة مسؤولين مقصرين، مع العمل على استقطاب خبرات طبية عالمية، بهدف رفع جودة الخدمة الصحية، وترسيخ مفهوم أن صحة المواطن ليست مجالاً للتهاون أو التأجيل.
وفي وزارة العمل، خاض واحدة من أهم معارك التحول الاجتماعي، وهي معركة توطين الوظائف، حيث سعى إلى إدماج الشباب السعودي في سوق العمل، وكسر الصور الاجتماعية التقليدية المرتبطة ببعض المهن، وإعادة تعريف قيمة العمل بوصفه معياراً للكرامة لا للمكانة. وفي هذا السياق ارتبطت به مواقف رمزية تعبّر عن هذه الفلسفة، منها تعامله العملي مع مفهوم المهنة دون طبقية.
على المستوى الأدبي، بدأ القصيبي شاعراً وجدانياً، ثم تطور إلى شاعر اجتماعي وسياسي، تفاعلت قصيدته مع التحولات العربية الكبرى، من قضايا الحرية إلى أسئلة الهزيمة إلى قلق الهوية.
امتاز شعره بلغة مباشرة شفافة، تقوم على البساطة العميقة والقدرة على الوصول إلى جمهور واسع دون فقدان العمق الفني، فكان قريباً من القارئ العادي كما هو قريب من المثقف.
في الرواية، قدّم مشروعاً نقدياً للعقل العربي الحديث.
في «شقة الحرية» رسم صورة جيل عربي طلابي في القاهرة يتصارع مع الأيديولوجيات الكبرى، من القومية إلى الماركسية إلى الإسلام السياسي، كاشفاً هشاشة الشعارات حين تنفصل عن الواقع.
وفي «العصفورية» استخدم البناء الرمزي للمصحة النفسية لتشريح الواقع العربي فكرياً وسياسياً، عبر حوارات تكشف اختلالات العقل الجمعي وعجزه عن التحديث.
وفي «سعادة السفير» اقترب من العالم الدبلوماسي من الداخل، كاشفاً تعقيدات السياسة الخارجية وآلياتها غير المرئية. وفي مجموع أعماله الروائية والشعرية، ظل الهدف المركزي هو دفع القارئ إلى التفكير النقدي لا الاستهلاك السردي.
في السياق الفكري، كان أحد أبرز وجوه الجدل حول الحداثة في الثمانينيات، حين دارت معركة ثقافية حول قصيدة النثر والمناهج النقدية الحديثة، فدافع عن حق الأدب في التطور، وعن ضرورة ارتباطه بروح العصر، إلى جانب أسماء نقدية بارزة في ذلك الوقت. كما كان من الأصوات التي حذرت مبكراً من تمدد تيارات التشدد الديني في الحياة الاجتماعية والثقافية، مؤكداً ضرورة التوازن بين الدين بوصفه قيمة روحية، والدولة بوصفها مؤسسة سياسية حديثة.
خلال أزمة الخليج عام 1990، برز دوره الفكري والسياسي عبر كتابه «حتى لا تكون فتنة»، الذي دافع فيه عن شرعية الدولة الوطنية، وعن الموقف العربي الداعم لتحرير الكويت، في مواجهة خطاب تعبوي مضاد. كما كتب سلسلة مقالات مؤثرة بعنوان «في عين العاصفة» في صحيفة الشرق الأوسط، قدم فيها قراءة تحليلية للأزمة، وواجه بها التفسيرات الأيديولوجية المغلقة، مؤكداً مركزية القانون الدولي وضرورة استعادة التوازن الإقليمي.
في المجال الدبلوماسي، عمل سفيراً للمملكة في البحرين ثم في بريطانيا، حيث قدم نموذجاً مختلفاً للسفير المثقف القادر على التحرك في الفضاء العام، عبر الكتابة في الصحافة البريطانية، وإلقاء المحاضرات في الجامعات، والمشاركة في النقاشات الفكرية الغربية. وفي لندن تحديداً واجه بيئة إعلامية وسياسية معقدة، ونجح في تقديم خطاب سعودي عقلاني قائم على الحوار والحجة.
وفي عام 1999، ترشح لمنصب المدير العام لمنظمة اليونسكو، في خطوة عكست حضور الكفاءات السعودية في المؤسسات الدولية، وقد ارتكزت رؤيته على تعزيز الحوار بين الحضارات، في مواجهة أطروحات الصدام الثقافي.
على المستوى الإنساني، كان من أبرز المساهمين في تأسيس جمعية الأطفال ذوي الإعاقة، بعد ملاحظته غياب الرعاية المتخصصة لهذه الفئة، فعمل على حشد الدعم المجتمعي والخاص، لتتحول الجمعية إلى مؤسسة رائدة في التأهيل والرعاية. كما عُرف بتواضعه في التعامل مع الناس، إذ كان يحرص على كسر الحواجز الطبقية والاجتماعية، ويؤمن أن المسؤولية العامة لا تعني الانفصال عن المجتمع.
وكان من أشد المؤمنين بتمكين المرأة السعودية، إدراكاً منه أن المجتمع الذي يعطل نصف طاقته يعطل مستقبله بأكمله. دعا بعد تعليم المرأة، وإلى مشاركتها في سوق العمل، وإلى حضورها في مواقع القرار، لأن النهضة لا تقوم بجناح واحد، ولا تبنى بعقل واحد. وكان يرى أن الكفاءة هي المعيار الأعدل، وأن الوطن أحق بكل طاقة قادرة على العطاء.
كما ارتبط اسمه بالنزاهة الإدارية الصارمة، حيث رفض الامتيازات الخاصة، وأصر على تطبيق النظام على الجميع دون استثناء، معتبراً أن عدالة القانون هي أساس شرعية الدولة.
رحل غازي القصيبي في أغسطس عام 2010، غير أن حضوره بقي ممتداً في الوعي السعودي والعربي، بوصفه نموذجاً للمثقف المسؤول، والإداري المحدث، والدبلوماسي الفاعل، والأديب الذي جعل من الكتابة أداة لفهم المجتمع لا لتزيينه.
لقد شكّل القصيبي، في مجمله، حالة عبور من التقليد إلى الحداثة، ومن الإدارة الوظيفية إلى الإدارة الفكرية، ومن الأدب بوصفه تعبيراً فردياً إلى الأدب بوصفه نقداً مجتمعياً، ومن الدبلوماسية الشكلية إلى الدبلوماسية الثقافية. ولذلك بقي اسمه علامة على فكرة أكبر من الشخص نفسه: فكرة أن التحديث ليس قطيعة مع الماضي، بل تطور واعٍ ينطلق منه ويعيد صياغته.