إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في «حي السمحانية» بالدرعية، حيث للتاريخ صوتٌ يتردد بين جنبات الطين، وحيث تنبعث من الأرض رائحة الأصالة التي لا تغيب، افتتح «Synergy Art Hub» أبوابه ليحتضن تجربة بصرية تستحق التوقف الطويل معرض «منا وفينا». هذا العنوان ليس مجرد تسمية عابرة انما هو بيان فني يعيد صياغة علاقتنا باليومي والمعتاد محولاً تلك التفاصيل الصغيرة التي تشكل هويتنا إلى أعمال فنية معاصرة تفيض بالعمق والجمال وتدعو الرائي ليس فقط للمشاهدة، بل للاقتناء كجزء من ذاكرةٍ شخصية ووطنية حية.
حين تلج إلى فضاء السمحانية يستقبلك المكان بوصفه شريكاً في العملية الإبداعية وليس مجرد وعاء لها، ثمة تمازج عضوي مدهش حدث هنا فالأعمال الفنية المعاصرة بجرأة ألوانها وتطور أساليبها لم تأتِ لتغترب عن محيطها التراثي بل جاءت لتعزز من قيمته، الجدران الطينية ذات الملمس الخشن والمنحنيات العفوية شكلت «خلفية فلسفية» للوحات فبدت الأعمال وكأنها نوافذ تطل منها الروح السعودية على الحداثة ، هذا الحوار الصامت بين طين الدرعية وألوان الأكريليك والزيت يخلق حالة من تراسل الحواس لدى الزائر حيث يشم رائحة الماضي وهو يبصر بريق الحاضر في تجربة حسية متكاملة تكرس مفهوم أن الفن هو الجسر الرابط بين ما كنا عليه وما نطمح إليه.
وبالانتقال إلى فلسفة «المصغرات» (Miniatures) التي يرتكز عليها المعرض نجد أننا أمام تحدٍ فنيّ من نوع خاص.
المصغرات في تاريخ الفن كانت دائماً وسيلة لتوثيق اللحظات الحميمية والقصص الدقيقة وفي «منا وفينا» تكتسب هذه الفلسفة بعداً جديداً حيث إن العمل على مساحة صغيرة يفرض على الفنان نوعاً من «التقشف البصري» المقرون بـ «الكثافة التعبيرية». فالفنان هنا لا يملك ترف المساحات الشاسعة ليفرغ شحناته اللونية بل عليه أن «يختزل» وطناً بأكمله أو ملامح وجهٍ أتعبته السنون أو نخلة شامخة في بضعة سنتيمترات ، هذا الاختزال هو قمة الإبداع لأنه يحول اللوحة إلى «مضخة للشعور» تجبر المشاهد على الاقتراب منها لتقليص المسافة المادية والوجدانية مع العمل ، المصغرات هنا هي دعوة للتأمل الصبور وهي إثبات بأن القوة الفنية لا تُقاس بالأبعاد بل بالقدرة على إحداث الدهشة في أصغر حيز ممكن.
وعند الغوص في القراءة الفنية للأعمال المشاركة نلحظ تنوعاً مدرسياً يثري الذائقة. رأينا لوحاتٍ تحتفي بـ«البورتريه» السعودي حيث الوجوه ليست مجرد ملامح لكنها خرائط للزمن نرى العيون التي تشع بالأمل والخطوط التي رسمتها شمس الصحراء على الوجوه مشغولة بحرفية تجعل من كل وجه حكاية مستقلة فنانون آخرون ذهبوا نحو «الرمزية التجريدية» مستلهمين من النخلة انحناءاتها ومن البيوت التراثية مثلثاتها وزخارفها محولين إياها إلى تكوينات لونية تتراقص بين الظل والضوء وثمة أعمال اشتغلت على «الملمس»، حيث تجد بروزات لونية تحاكي خشونة الجدران الطينية المحيطة مما يجعل اللوحة قطعة من المكان نفسه، استخدام الألوان لم يكن عشوائياً، بل جاء منسجماً مع بيئة السمحانية؛ فدرجات الأوكر، والبني، والأصفر الرملي، تداخلت بذكاء مع ألوان معاصرة مثل الأزرق الفيروزي والأحمر الصريح لتعبر عن حيوية المجتمع السعودي المعاصر الذي يعتز بجذوره وينفتح على العالم.
هذا الحراك الجمالي صاغته أسماء آمنت بأن الفن هو مرآة الذات والوطن وهم: فهد خليف، مهدية آل طالب، مازن أحمد، امل فلمبان، حسين دقاس، حسن الغامدي، ماجد آل سعيد، محمد شراحيلي، محمد مجرشي، فوزية آل عثمان، لانا العبدالات، مرام الحربي، وليد الرويعة، امل حجة، فريدة الحازمي، علياء الدقس، محمد عابدين، رانيا بو سعيد، امل الشمري، زهرة هزبر، مريم الصغير، د. خالد سرحان، سعاد وخيك، زكية المتعب، العنود المحمود، ياسر الشهري، نوال العجمي.
إن اجتماع هذه الكوكبة تحت سقف «منا وفينا» يبرز الدور المحوري للمعارض الجماعية في تنمية المشهد الثقافي. بالنسبة لـ الفنان، المعرض الجماعي هو مختبر بصرى يتيح له رؤية تجربته في سياق تجارب الآخرين مما يخلق نوعاً من التنافسية الإيجابية التي تدفع نحو التجديد إن وقوف الفنان الرائد بجوار الموهبة الواعدة يجسد مفهوم «استمرارية الإبداع» وانتقال الخبرات بين الأجيال أما بالنسبة لـ المجتمع فإن هذه المعارض هي الرئة التي يتنفس من خلالها الجمال فهي تخرج الفن من حيز النخبوية الضيق إلى رحابة المجتمع وتجعل من ارتياد صالات العرض طقساً معرفياً يساهم في رفع الذائقة البصرية. الفن الجماعي هو توثيق للوجدان المشترك، وهو تأكيد على أننا رغم تنوع أساليبنا، إلا أن منبعنا واحد وهويتنا واحدة.
المعارض الجماعية أيضاً تعزز من «اقتصاديات الفن» فتقديم أعمال صغيرة الحجم وعالية القيمة الجمالية يسهل عملية الاقتناء ويجعل الفن جزءاً من تفاصيل البيوت السعودية وليس مجرد قطع تُشاهد في المتاحف..
يظل معرض «منا وفينا» في حي السمحانية علامة فارقة في سجل المعارض التي تحتفي بالذات السعودية. لقد نجح «Synergy Art Hub» في خلق فضاء يذيب الفوارق بين الماضي والحاضر، ويجعل من «التفاصيل اليومية» مادة للخلود. إنها دعوة مفتوحة لكل متذوق للجمال، ولكل باحث عن الأصالة، ليأتي ويرى كيف يمكن للون أن يحكي قصة إنسان، وكيف يمكن للمصغرات أن تفتح آفاقاً لا نهائية من التأمل. إن «منا وفينا» هو باختصار.. نحن، بكل تجلياتنا، ومحبتنا لهذا الأرض التي لا تفتأ تهبنا الجمال في كل حين.
** **
إكس: AL_KHAFAJII