د.شريف بن محمد الأتربي
انتهت إجازة عيد الفطر المبارك، وعادت عجلة العملية التعليمية للدوران مرة أخرى لاستكمال العام الدراسي الذي قارب على نهايته، وخلال الفترة التي سبقت هذه العطلة كان الميدان مزدحماً بالعديد من الموضوعات، والفعاليات التي تهدف إلى تحسين جودة التعليم، وضمان تحقيق أهداف المملكة ضمن رؤية 2030، خاصة مع توجه المملكة نحو بناء نظام تعليمي عالي الجودة يواكب المتغيرات العالمية.
حين تذكر جودة التعليم، تتجه الأنظار مباشرة نحو هيئة تقويم التعليم والتدريب والتي يرأس مجلس إدارتها معالي الدكتور خالد بن عبد الله السبتي، ويرأسها سعادة الدكتور وليد بن محمد الصالح، وهي الهيئة التي أعادت ضبط جودة العملية التعليمية داخل المدرسة، ووضعت المعايير التي تقيس الواقع الحقيقي داخل مجتمع المدرسة التعليمي، وشاركت الإدارة في وضع حلول لمشكلاتها التي أظهرها التقويم.
يبرز دور التقويم كأداة حاسمة لضبط جودة الأداء خاصة مع التحول من التعليم إلى جودة التعليم، وتحسين نواتج التعلم انطلاقاً من رؤية قادتنا التي ترى أن الشهادات العلمية وحدها لم تعد كافية، وأن المهارات والتفكير النقدي أصبحت معيارًا أساسيًا للالتحاق بسوق العمل، لذا فإن كفاءة المدرسة يجب أن تقاس بمخرجاتها لا بمدخلاتها فقط، وبالتالي أصبح من الضروري وجود جهة مستقلة تقيس هذه الجودة بموضوعية، حيث تقوم هيئة تقويم التعليم والتدريب بهذا الدور من خلال التقويم المدرسي الشامل، حيث يتم تقييم أداء المدارس وفق معايير دقيقة مبنية على أحدث المعايير العلمية، ومتسقة مع متطلبات المجتمع السعودي، إلى جانب قياس جودة القيادة المدرسية، والتدريس، وبيئة التعلم.
عملت الهيئة على إضافة عنصر جديد للتقييم يميزها عن سائر مثيلتها الإقليمية والعالمية، حيث أضافت منظور الاختبارات الوطنية كجزء من عملية التقييم من خلال قياس مستوى تحصيل الطلبة في مواد أساسية مثل اللغة العربية والعلوم والرياضيات، كما عملت على إجراء مقاربات ومقارنات في الأداء بين المدارس في الإدارات التعليمية الواحدة وعلى مستوى المناطق، مما أحدث حراكاً في داخل المدرسة وأشعل الحماس والتنافسية بين كافة المدارس في المملكة.
لم تكتف الهيئة بإجراء الدراسات والأبحاث، بل عملت على تحويل هذه الدراسات والمنافسات إلى تقارير داعمة لأصحاب القرار، فأصدرت الهيئة العديد من التقارير والمؤشرات التي تقدم بيانات واضحة عن مستوى المدارس وتساعد متخذي القرار في تطوير السياسات التعليمية. هذه التقارير دفعت قادة المدارس للعمل على تلافي الأخطاء وتعظيم النجاحات من أجل مزيد من التنافسية العادلة، وبيئة تقييمية شفافة للجميع للتنافس في تحسين أدائها، تعزيز ثقافة الجودة والمساءلة.
لم يكن أثر دور الهيئة مقصوراً على أداء المدارس فقط؛ ولكنه انعكس على قطبي العملية التعليمية؛ المعلم والطالب، فالمعلم أصبح أكثر وعيًا بأهمية تطوير أساليبه التعليمية، أما الطالب فقد تحوّل من الحفظ إلى الفهم والتحليل، كذلك المدرسة بدأت تهتم بجودة الأداء وليس فقط إتمام المنهج.
لقد أحيت الهيئة دور أولياء في ظل نظام التقويم، فقد أصبح ولي الأمر أكثر قدرة على متابعة مستوى أبنائه، مما مكنه من اتخاذ قرارات تعليمية داعمة لرحلة تعلمهم، ومبنية على بيانات واضحة وحقيقية، مما ساهم في دعم المدرسة أيضاً، فعند معرفة نقاط الضعف يكون التعاون بين أولياء الأمور والمدرسة إيجابياً وفي اتجاه مصلحة الطالب.
يمثل التقويم ركيزة أساسية في تطوير التعليم في المملكة العربية السعودية، حيث أسهمت هيئة تقويم التعليم والتدريب في إرساء معايير واضحة لقياس جودة المدارس. ومع ذلك، فإن تحقيق الأثر الحقيقي للتقويم يتطلب تكامل الجهود بين المدرسة، والأسرة، والمعلم، مع التركيز على بناء إنسان متكامل، لا مجرد طالب يجتاز الاختبارات.